السلام عليكم
أشعر بحزن عميق جداً؛ فلا شيء في حياتي يسير كما تمنيت. منذ أربع سنوات تقريباً، أصيبت والدتي بمرض السرطان، وعشت أسوأ سنتين في حياتي حتى وفاتها، وستتم عامها الثاني بعد أشهر قليلة.
طوال عمري كنت مقتنعة تماماً أنه لا أحد يحب أحداً كما تفعل الأم، ومنذ رحيل والدتي الحبيبة وأنا أشعر بالوحدة التامة. والدي موجود، ولكنه أصيب باكتئاب بعد وفاتها؛ فلا يغادر المنزل، ويرى أن حياته يجب أن تظل متوقفة، ولا يفعل شيئاً سوى الشجار معي لأنني لست مثل والدتي، فهو يعتقد بوجوب قيامي بكل شيء تماماً كما كانت تفعل.
المشكلة أنني دعوت الله كثيراً لكي أتزوج، حتى تعرفت بالفعل على شخص مهذب جداً وقررت أن أحبه. ولكن قبل الخطبة بأيام قليلة، مرض والده بشدة وأصيب بجلطة، وهي الثالثة له خلال ستة أشهر. تدهورت حالته كثيراً، وبناءً عليه أُلغيت جميع الخطط، وتأجلت الخطبة بل وحتى خطط الزواج.
أشعر بالأسى لأجله، فقد أصبح فجأة مسؤولاً عن أعباء منزل كامل، ولكنني أشعر بتعب شديد يمنعني من مواساته بالشكل الكافي أو حتى مواساة نفسي. أشعر بالضيق لأنني عاجزة عن الفرح وكل أموري معطلة. أصلي وأدعو كثيراً، لكنني أشعر بالاختناق وأرغب في الهروب من كل هذا بمفردي، فقد وصلت إلى حافة الانهيار النفسي.
المنزل مرهق، والعمل مرهق، وحتى الخطبة مرهقة جداً. أحياناً أحزن لأنني لست كبقية الفتيات اللاتي يخطبن ثم يبدأن بتجهيز الزفاف بعد أشهر قليلة. حياتي معه غير مستقرة تماماً، وهذا يجعلني في حيرة حيال قدرتنا على الاستمرار. كما أن فكرة الزواج تخيفني بشدة؛ فأنا أخشى الارتباط برجل يشبه والدي في طباعه، وأحياناً أشعر أن خطيبي يشبهه بالفعل، ولا أعلم إن كان هذا حقيقة أم توهماً مني للهروب.
ماذا أفعل؟
أنا أفتقد أمي كثيراً وأحتاج إليها.
31/3/2026
رد المستشار
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا "سوزي"، أولاً أود أن أقول لك بصدق: ما تشعرين به مفهوم جداً، بل هو استجابة إنسانية طبيعية لسلسلة من الضغوط والفقد المتراكمة التي مررتِ بها خلال سنوات قليلة. أنتِ لم تمري بتجربة واحدة صعبة، بل بعدة تجارب مؤلمة متتالية: فقد الأم، تغيّر الأب، ضغط المنزل، تعطل مشروع الزواج، وتحمل مسؤوليات نفسية أكبر من طاقتك.
سأقسم لكِ الأمر بهدوء حتى تتضح الصورة:
🌿 أولاً: الحزن على والدتك: فقدان الأم ليس حدثاً عابراً، بل هو جرح عميق يمسّ الأمان الداخلي. وما تعيشينه ليس "ضعفاً" ولا "مبالغة"، بل هو: حزن ممتد Grief شعور بالوحدة وفقدان السند، واشتياق طبيعي لشخص كان يمثل الحب غير المشروط.... ومرور سنتين لا يعني أن الألم ينتهي. بعض الأحزان تتغير شكلها لكنها لا تختفي.
👉 لذلك: لا تحاولي إيقاف هذا الحزن، بل تعلّمي احتواءه. تحدثي مع والدتك بالدعاء، اكتبي لها، ابكي عندما تحتاجين. هذا صحي.
🌿 ثانياً: علاقتك بوالدك: والدك أيضاً مكسور، لكنه يعبّر عن ألمه بطريقة مؤذية لكِ.
هو: يعاني من اكتئاب واضح، ومتوقف عند لحظة الفقد ويسقط توقعاته علىكِ (أن تكوني مثل والدتك)، لكن الحقيقة المهمة:d71;أنتِ لستِ والدتك، ولن تكوني كذلك، ولا يجب أن تكوني.
👉 ما يمكنك فعله: ضعي حدوداً هادئة: "أنا أحاول، لكنني لست أمي" ولا تحمّلي نفسك مسؤولية إنقاذه نفسياً وإن أمكن، حاولي إدخاله في مساعدة (طبيب، قريب مؤثر)
🌿 ثالثاً: شعورك بالاختناق والتعب أنتِ الآن في حالة إرهاق نفسي شديد أو احتراق عاطفي Emotional Burnout. والأعراض التي ذكرتِها:
رغبة في الهروب، وفقدان القدرة على الفرح، وضيق واختناق وتشتت وحيرة كلها تشير إلى أنك: d71;تحاولين تحمّل أكثر من طاقتك
👉 لذلك أول خطوة مهمة: تخفيف الحمل، وليس زيادة التحمل: اسألي نفسك: ما الذي يمكنني تأجيله؟ ما الذي ليس ضرورياً الآن؟
🌿 رابعاً: موضوع الخطيب: ما تمرّين به هنا معقد، ويحتاج هدوءاً: وأنتِ بين: التعاطف معه ومع ظروفه، واحتياجك للاستقرار، وخوفك من تكرار نموذج والدك وهذا طبيعي جداً.
لكن انتبهي: d71; الخوف لا يعني بالضرورة أن الواقع صحيح، لكنه أيضاً ليس بلا معنى
👉 لذلك: اسألي نفسك بصدق: هل هو فعلاً يشبه والدي في السلوك؟ (سيطرة، نقد، قسوة....)
أم أنني خائفة لأنني مجروحة من تجربة أبي؟
إذا كان هناك تشابه حقيقي → يجب التوقف والتقييم بجدية
إذا كان مجرد خوف → يحتاج طمأنة وتدرّج لا انسحاب
ولا تتخذي قرار الزواج وأنتِ في حالة إنهاك نفسي، لأن: d71; القرار في هذه الحالة يكون هروباً لا اختياراً
🌿 خامساً: المقارنة بالآخرين: قولك: "لست كبقية الفتيات" هذا يضيف ألماً فوق ألمك.
الحقيقة: كل إنسان له مساره، لكنك الآن تمرين بمرحلة صعبة تجعل حياتك تبدو متأخرة أو معطلة.
👉 لكن: أنتِ لست متأخرة، أنتِ فقط مجروحة وتتعافين
🌿 ماذا تفعلين الآن؟ (خطوات عملية)
امنحي نفسك إذن بالضعف
توقفي عن محاولة أن تكوني قوية طوال الوقت
نظّمي يومك بأبسط صورة (نوم – أكل – صلاة – مهمة واحدة فقط يومياً)
افرغي مشاعرك يومياً (كتابة أو دعاء)
قلّلي الاحتكاك السلبي مع والدك قدر الإمكان
أجّلي أي قرار مصيري (زواج/انفصال) حتى تهدئي نفسياً
حاولي طلب دعم حقيقي (صديقة قريبة، قريبة تثقين بها، أو جلسات علاج نفسي إن أمكن)
🌿 أخيراً.... قولك: "أحتاج أمي" هذا من أصدق ما قلته. لكن دعيني أقول لك بلطف: أمك لم تختفِ من حياتك، بل تحوّل دورها.
هي الآن: في دعائك، في قيمك، وفي الطريقة التي تحبين بها وفي القوة التي تحاولين بها الاستمرار رغم الألم، وأنتِ، رغم كل هذا التعب، ما زلتِ: تصلين وتحاولين وتفكرين بوعي وتبحثين عن حل، وهذا يدل أنك لم تنهاري.... بل تقاومين بصمت
وشكرا