لا أعرف كيف أشرح لمن لم يزر بغداد يومًا، شعور أن تنتقل من ضريح الكاظم إلى مقام أبي حنيفة، وكأنك تعبر في شرايين الروح لا في شوارع المدينة. كنت أعتقد أنني وحدي أرى المشهد بهذا الوضوح، إلى أن جلستُ في التاكسي بين المقامين، لأكتشف أن رحلتي القصيرة تحمل من الأسئلة أكثر مما تحمل من المسافة!
نظر السائق في مرآته إليّ، بصدقٍ لا يخلو من دهشةٍ وحيرة، وسألني وكأنه يريد أن يحل لغزاً يحيره منذ زمن: «عفواً أستاذ، بس سؤال: أنت سني لو شيعي؟!»
ابتسمتُ من دون أن أرد، لا سخريةً من السؤال، بل لأنني كنتُ مثله أتساءل، لكن سؤالي كان مختلفًا، فمنذ متى بدأنا نحتاج بطاقة انتماء مذهبية لزيارة عباد الله الصالحين؟
في الكاظمية، كان الهدوء يلف المكان، كأن الزمن توقف احترامًا لصاحبَي المقام. وقفتُ أمام ضريح موسى بن جعفر وحفيده الجواد، أسترجع سيرتهما، لا كما تُروى في الكتب وحدها، بل كما رأيتها في عيون الزائرين، في دعاء أم تهمس لابنها المريض بالشفاء، وفي ملامح شيخ مسن يغمض عينيه مستغرقًا في رجاء طويل، وفي رجاء طفل صغير يمد يده نحو الشباك وكأنه يلمس أملًا لا يراه سواه!
ثم انتقلتُ إلى الأعظمية، حيث يرقد الإمام أبو حنيفة، فقيه أهل الرأي، الذي دفع حياته ثمنًا لرغبته الصادقة في عدم ظلم الناس، عاش يجادل الحجة بالحجة، ويختلف مع من حوله دون أن يُفسد للودّ قضية، وفي مقامه شعرتُ أن العقلانية والورع يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب، وأن الاختلاف ليس بالضرورة شقاقًا، بل قد يكون عبادة!
الغرابة التي اكتشفتها في عيون السائق هي الغرابة التي تفصل بين أتباع المقامين في عقول الكثيرين، فرغم أن المسافة بينهما لا تتجاوز دقائق معدودة، فإنها في مخيلة البعض تمتدّ لقرون من الخوف والشحن المذهبي، وكأن من زار هذا لا يجوز له زيارة ذاك، وكأن رحمة الله تضيق عن المختلفين!
للحظة فكّرتُ أن أشرح للسائق فلسفتي هذه، ثم عدلتُ عن الفكرة، لأنني أدركت أن مثل هذه القناعات لا تُنقل بالخطاب الوعظي أو الحوار السريع في تاكسي يقطع شوارع بغداد على عجل، وأدركت أن الإنسان الناضج لا يخشى أن يُنصت لمن لا يشبهه، وأن التسامح الحقيقي لا يُمارس على المنابر فقط، بل في القلب أولًا.
أن تزور مقامَ إمامٍ لا تتبعه فقهيًا، لا يعني أنك تخون مذهبك، بل يعني أنك تؤمن بأن لله في كل طريقٍ أحبابًا، وأنك تبحث عن الله في وجوه عباده الصالحين، لا في صكوك الانتماءات المذهبية!
في زمنٍ يُصنَّف الناس فيه بدقة مرعبة: هذا «شيعي»، وذاك «سني»، وهذا «متشدد»، وذاك «متساهل»، كانت زيارتي تلك خرقًا بسيطًا لهذا التصنيف، ومحاولة صامتة لأقول للسائق، ولكل من يشبهه، إن الاحترام لا يحتاج إلى فتوى، وإن المحبة لا تتطلب أن نكون متشابهين!
ربما كان عليَّ أن أختصر كل هذا وأقول للسائق جملة واحدة حين سألني:
«كل الطرق التي تبدأ بالصدق.. تنتهي عند الله.. مهما اختلفت أسماء المحطات!».
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
اتزانك النفسي... في زمن ترامب! / «شيل على... قدك»!
