انطلاقاً من المثل الشعبي «من فات قديمه تاه»، تسمرنا والعائلة الكريمة خلف شاشة التلفاز الذكي، ووقع اختيار أم يوسف ــ وهي من يختار لنا كالعادة ــ على المسلسل الشهير «لن أعيش في جلباب أبي» للعملاق الراحل نور الشريف، والمستوحى من رائعة إحسان عبدالقدوس التي تحمل الاسم ذاته.
أول ما أدهشني هو أن المسلسل كان من إنتاج عام 1996، أي بمعنى أن من ولدوا بعده قد وصلوا منتصف العشرينات من العمر، ويا لغرابة الزمن، أكلّ هذه السنون قد مرت على عرض ذلك المسلسل، والذي لازلت أذكر كيف تابعته مع أسرتي في سني الشباب، وأنا الذي كنت أتصور نفسي شاباً صغيراً ولازلت!
ما علينا... أحد المشاهد التي لا زالت راسخة في ذهني من ذلك المسلسل مشهد الوزير الذي كان يوماً شيئاً ما، ثم أصبح لا شيء بعد تركه الوزارة، تماماً كما يحدث في دولة أعرفها، وقد دارت به دورة الحياة حتى جاء يخطب لابنه ابنة الحاج عبدالغفور البرعي، تاجر الخردة العصامي، الذي أصبح من أعيان البلد، رغم أنه «لا يفك الخط»، وقد وصلت مفاوضات تكاليف الزواج إلى حفل الزفاف الذي اعترف الوزير عندها بعدم قدرته على دفع تكاليف ذلك الحفل، ورغم صعوبة موقفه أمام الحج عبدالغفور، فإنه أخذ يتحدث عن مركزه القديم ومعارفه، وضرورة أن يتكرم عليه الحج عبدالغفور بالصرف على حفل زفاف باذخ، لأن سعادة الوزير وعائلته «لهما مركزهما»، ويجب أن يراعي الحج مكانتهما السابقة!
أجمل ما في المشهد ذاك كان عندما التفت الحاج عبدالغفور إلى الوزير قائلاً بجدية: -هو أنت يا مصطفى بيه... تقدر على كام؟
أجاب الوزير برقم غاية في الضآلة... فالتفت إليه مرة ثانية الحاج عبدالغفور قائلاً: - ما تآخذنيش يا مصطفى بيه... شيل على أدّك! من يومها والعبارة هذه لا تفارقني... «شيل على قدك»...
شيل من مكاسب الدنيا... على قدك.... ومن همومها... على قدك... ومن مناصبها... على قدك... ومن علاقاتها... على قدك... ووو...
نعم، فأنا يذهلني من يعيش حياة يعلم محدوديتها على كل الأصعدة، ولا يكتفي بما يستطيع حمله منها وهو دائماً في طلب المزيد!
ما يدهشني حقيقة هو أن أكثرنا مشغول بما لا يمتلك، ويعيش حياة منغصة بسبب مقارنة نفسه بغيره.
أحد أصدقائي قبل أيام كان يحدثني عن هارون الرشيد، وكيف يحلم لو يمتلك يوماً ملكاً كملكه... وخياله منصرف طبعاً إلى أموال هارون وجواريه وسهراته وندمائه وليالي الأنس مع أبي نواس وغيرها.
ضحكت وقلت له: هل تعلم كم سنة عاش هارون؟
قال لا... أجبته... 46 سنة لا أكثر... مليئة بالكثير من الأحداث غير السعيدة له شخصياً كنكبة البرامكة وغيرها...
أجاب صديقي... ولو... المهم أنه استمتع بحياته...
قلت له يا صديقي لو كنت أنت «هارون» لما وثقت في كوب الشاي الذي قدمته لك قبل قليل... ولربما لما كنت تنام الليل خوف المؤامرات...
انقلب حال صاحبي وأخذ يتأمل ثم قال: معك حق... فما الحل مع أحلامي؟
قلت له... ببساطة... شيل على قدك!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
في حضرة... ما لم يحدث! / اتزانك النفسي... في زمن ترامب!
