أحيانًا وأنا أقلّب صفحات الجريدة، أجد نفسي متوقفًا طويلاً أمام صفحة الوفيات، لست متأكدًا لماذا تجذبني تلك الصفحة تحديدًا، لعلها رغبة لا شعورية في تذكير الذات بوجود خط للنهاية، أو ربما لأنها تحمل قدرًا مدهشًا من الصدق في صحيفة مليئة بالأخبار المنمقة والصور المثلى!
عند مروري على هذه الصفحة الوحيدة في الجريدة التي لا أستطيع التشكيك في محتواها يقفز في ذهني سؤال غريب، كيف سيكون شكل اسمي إن قرأته هنا يومًا؟ هل سيكون مكتوبًا بخطٍ بارز في منتصف الصفحة، أم بخط صغير في زاوية بعيدة، لا يلاحظه أحد؟ من سيهتم بإعلان رحيل شخص مثلي؟ وكيف ستُصاغ كلماتي الأخيرة في هذه المساحة الصغيرة؟ هل ستُكتب بطريقة تقليدية حيادية، أم ستروي شيئًا حقيقيًا عما كنت عليه؟
الأغرب من السؤال نفسه هو شعوري وأنا أتأمل هذه الفكرة، وكأنني أراقب حياتي من الخارج، وأتساءل هل عشتُ الحياة التي أردتها؟ هل صنعت ما يستحق الذكر في سطرين أو ثلاثة؟ وهل يُمكن حقًا أن تُختزل حياة بأكملها، بكل ما فيها من أحلام وطموحات وخيبات، في بضعة أسطرٍ في صفحة جريدة يومية؟
قد تبدو هذه الفكرة قاتمة أو مخيفة للبعض، لكنها ليست كذلك تمامًا، بل على العكس، حين أفكر بأن اسمي سيظهر يومًا في صفحة كهذه، أشعر فجأةً بوضوحٍ عجيب تجاه الحياة، وتبدأ الصورة في أن تكون أكثر صفاءً ونقاءً من كل الغيوم التي نعيش تحتها، والتي تجعلنا ننشغل عن حياتنا الحقيقية بأشياء تافهة ومعارك سخيفة لا قيمة لها.
إن إدراك أن بقائي ليس مضمونًا، وأنني قد لا أملك سوى القليل من الوقت، يجعلني أكثر قدرة على الاختيار، وأكثر تسامحًا مع الآخرين، ومع نفسي بالمناسبة، لأنني، أمام فكرة الموت، أكتشف بساطة الحياة، وأدرك أن كثيرًا مما كنت أعتقده يومًا مهمًا وضروريًا، هو في الحقيقة مجرد وهم لا يستحق العناء!
إن التأمل في لحظةٍ كهذه يمنحني فرصةً لإعادة ترتيب أولوياتي، وإعادة تقييم ما يستحق فعلًا أن أقضي حياتي من أجله، فتصبح الأسئلة اليومية المرهقة حول ما يقوله الآخرون أو ما يتوقعونه مني، بلا أهمية تقريبًا، وتبدو فجأةً كل النزاعات والصغائر التي كانت تستهلكني غير منطقية، وربما سخيفة جدًا!
جرب معي، في اللحظة التي تتخيل فيها قراءة اسمك في صفحة الوفيات، حاول أن تبتسم بهدوء، لا لأن الموت أمر مفرح، بل لأن هذه اللحظة تحمل معها نضجًا داخليًا يصعب شرحه، ذلك النضج الذي يجعلك تختار بعناية أكبر ما تفعله، ومع من تقضي وقتك، ولأي شيء تمنح جهدك واهتمامك.
تذكُّرُ الموت هو ليس بالضرورة أمرًا سوداويًا، بل قد يكون أقوى دافع لك كي تعيش الحياة بشكل حقيقي وهادف، وأن تعمل ما تستطيع اليوم لا غدًا، وأن تكون لطيفًا مع من تحب، ومتسامحًا مع من تختلف معه، فإدراك حقيقة الفناء وحتميته هو تذكير ثمين بأن الحياة قصيرة جدًا، لكنها كافية تمامًا لمن يعرف كيف أن يستغلها.
في النهاية، ربما ليس مهمًا كيف سيُكتب اسمي واسمك في صفحة الوفيات، بل المهم حقًا هو كيف نكتب نحن حياتنا الآن، قبل أن يكتبها الآخرون نيابة عنا!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
لماذا أكتب؟ حوار مع النفس! / الزواج... عقد يحتاج تجديداً!
