لقد كنت هنا… نعم، لقد كنت هنا.
كنت هنا منذ يومه الأول، منذ مجيئه إلى هذه الدنيا.
صحيح أنكم لا ترونني، لكنّي احتفلت به يوم ولادته مثلما احتفلتم.
أنتم من أشعلتم نيران الشموع احتفالًا به يوم ميلاده… وأنا من أطفأتها، فأنا أعشق الظلام.
كنت كظله منذ يوم ولادته.
كان يكبر وأكبر معه؛ يحبو، فأحبو معه، يتحرك، فأتحرك، يخطو، فأخطو، يتلعثم، فأتلعثم.
حتى عندما أدخلتموه المدرسة، أنا من مسح دموعه عندما تركتموه وحيدًا، بعيدًا عن منزله ودفء سريره الصغير.
أنا من احتضنه لحظة فراق من أحبهم، من هون عليه إخفاقاته المتتالية في الحياة وأعطاه القوة ليبقى وحيدًا.
كنت ملجأه عندما لم يكن له ملجأ إلا نفسه… أنا من واسى جراحه في أولى عثراته، ربت على كتفه وقت شدته.
العين التي لا تنام ناظرة إليه، وجليسه في كل وقت، ومن خطط له كل حياته. فأنا كنفسه، وهل يستطيع أحد التخلص من نفسه؟
صحيح لم يكن يعلم بوجودي، ولكنني كنت بجانبه في كل لحظاته، كالهواء الذي يتنفسه، كالنهار والليل الذي يعيشه.
كنت معه في أدق التفاصيل، صغيرها وكبيرها.
كنت من يقرر ماذا يفعل وفي أي وقت، أنا انفعالاته على أتفه الأسباب، تهوره الغير مفهوم، قراراته الخاطئة…
كنت أقوم بإيهامه بأي شيء حتى أصبح في يدي كالصلصال، كعروس الماريونيت.
أقنعته بأن يبتعد عن هذا وذاك، أقنعته بأن ليس لهم أي فائدة.
أنا… وكفى. نعم، أنا وكفى.
بعد كل هذا، قررت أن أظهر له نفسي…
أنا هنا يا عزيزي.
ظلك الأسود، يومك الملعون، وحدتك المؤلمة، عثراتك المتكررة، نهارك الباهت، وليلك المظلم الطويل، نومك المتقطع، وانتباهك لأدق وأتفه التفاصيل التي تزعجك.
حتى بقي جالسًا وحيدًا معي، في ظلام غرفته، ولا يستطيع أي بشر أن يفرق بيننا.
لقد كبر، وكبرت معه.
لقد ازداد ضعفًا، وازددت أنا قوة.
واقرأ أيضًا:
وأكتب / قراءة وترتيل! / جناح بعوضة!
