ما يتشاجر عليه الزوجان في سنوات زواجهما الأولى لا يشبه أبداً ما يتشاجران عليه بعد عشرين سنة، ففي البداية كانت الخلافات تدور حول أمور تبدو اليوم ساذجة وبسيطة، كأين نسكن؟ وكيف نوزع المصاريف؟ ومن يزور أهله أكثر؟ ومتى نخرج؟ ومتى نبقى في البيت؟ تلك الخلافات الصغيرة التي تنتهي غالباً بعتاب سريع أو عشاء خارج البيت أو هدية مصالحة لا تكلف كثيراً، أما بعد سنوات فالخلافات عادة تصبح أعمق وأثقل وأصعب حلاً، ذلك ببساطة لأن الحياة نفسها تصبح أعقد والرهانات أصبحت أعلى والتنازلات المطلوبة من كل طرف أصبحت أكبر مما كان يتخيله أيهما في ليلة الزفاف!
حين يتزوج شابان في العشرينات فهما في الغالب شخصان لم يكتملا بعد، يبحث كل منهما عن شريك يشاركه حماسة البدايات الأولى وحلاوتها، والاحتياجات في هذه المرحلة واضحة وبسيطة نسبياً، الحب والمغامرة وحاجات الجسد والاستقرار المبدئي وبناء عش صغير يشبههما ويحمل بصمتهما معاً، تلك مرحلة لا تخلو من التحديات ولكنها تحديات بناء وتأسيس لا تحديات مراجعة وترميم، فهي تحديات من يضع الحجر الأول لا من يكتشف بعد سنوات أن الأساس بأكمله يحتاج لإعادة نظر!
تمر السنوات وتدخل في المعادلة الزوجية عناصر لم تكن في الحسبان ولم يتحدث عنها أحد يوم الخطبة، الأطفال يولدون بفرحة عارمة لكنهم يحملون معهم تحديات من نوع مختلف تماماً، من مسؤوليات التربية والتعليم والمصاريف التي لا تنتهي، إلى خلافات جديدة حول أساليب التنشئة، يكتشف فيها كل طرف أن شريكه يحمل في داخله نسخة من أبيه أو أمه لم تظهر إلا بعد أن أصبح هو نفسه أباً أو أماً، وتتغير الأولويات تدريجياً فيصبح الطفل هو محور البيت، وتتراجع العلاقة بين الزوجين إلى الهامش دون أن يشعر أي منهما بذلك، حتى يستيقظا ذات يوم ويكتشفا أنهما أصبحا شريكين في مشروع تربوي أكثر منهما شريكين في علاقة!
في الأربعينات والخمسينات تتعقد الصورة أكثر، فالأبناء يكبرون ويحملون مشاكلهم الخاصة التي تُلقي بظلالها الثقيلة على البيت كله، وطموحات الزوجين المهنية تصل إلى ذروتها أو تصطدم بسقفها، والأجساد تتغير والطاقة تقل والأحلام القديمة يُعاد تقييمها بعيون أكثر واقعية وأقل رومانسية، ويبدأ كل طرف يتساءل في سرّه، هل هذا ما كنت أتخيله حين وقّعت على عقد الزواج؟ وهل هذا الشخص الذي بجانبي هو نفسه الشخص الذي اخترته قبل عشرين سنة، أم أن كلينا تغيّر في اتجاهات لم تكن متوقعة ولم نتوقف يوماً لنتحدث عنها؟
مشكلتنا هي أننا نوقّع عقد الزواج مرة واحدة ونعتبره صالحاً لكل الفصول والمراحل والتحولات، بينما ما لا يخبرنا به أحد أن كل مرحلة عمرية تحتاج زواجاً مختلفاً، وحتى لا يساء فهمي فأنا لا أتحدث عن الزوجة الثانية، بل تجديد الزواج من نفس الشخص، فالزواج الذي نجح في العشرينات لأنه قام على الحماسة والعاطفة ليس بالضرورة هو الزواج الذي سينجح في الخمسينات حين تصبح الحاجات مختلفة والتوقعات أكثر تعقيداً والأحمال أثقل، فالعشرينات تحتاج شريكاً يشاركك الحلم، والثلاثينات تحتاج شريكاً يتحمل معك المسؤولية ويقتسم معك الإرهاق، والأربعينات تحتاج شريكاً يفهم تحولاتك دون أن يحاكمك عليها، والخمسينات تحتاج شريكاً يعيد اكتشافك من جديد بعد أن ظن أنه يعرفك تمام المعرفة!
الزواج الذي يستمر حقاً هو ليس ذلك الذي لم تتغير فيه الأمور ولم يتبدل فيه شيء، بل ذلك الذي يملك طرفاه الشجاعة والوعي ليجلسا معاً بين حين وآخر ويسألا بعضهما بصدق، ماذا تحتاج مني الآن؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال البسيط تتغير مع كل عقد يمر من عمر الزواج، ومن لا يطرحه في الوقت المناسب قد يكتشف متأخراً أن عقد الزواج الذي وقّعه ذات يوم لم يعد يشبه.... أياً من طرفيه!
4/03/2026
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
تلك الأسئلة التي... نعرف إجاباتها! / لماذا أكتب؟ حوار مع النفس!
