ليست حياتنا هي فقط ما عشناه بالفعل، بل هي أيضاً كل ما لم نعشه وظل عالقاً في زوايا الخيال، فبعض التجارب التي لم نختبرها أبداً قد تترك في أرواحنا أثراً عميقاً، قد يوازي ما مررنا بها حقاً، ويكفيك لتصدقني أن تتأمل مثلاً في علاقة ظلت مجرد احتمال جميل، أو فرصة عبرت بجانبنا دون أن ننتبه لها، أو طريق وقفنا طويلاً أمامه، لكننا لم نمتلك الجرأة لنسير فيه!
ما لم يحدث يا صديقي يبقى دائماً مُغرياً، لأنه لم يواجه اختبار الحياة الحقيقي، ولم يتعرّض للصدمات اليومية، ولا لخيبات الأمل المعتادة، ولم تتسرب إليه عيوب الواقع، وعليه يظل مثالياً وخالياً من أي تشويه أو نقص، ولذا نجد أنفسنا نلوذ به في أوقات الضيق أو الملل، أو في لحظات الإحباط العابرة... أو المتكررة!
في لحظة من التعب قد يتخيّل أحدنا حياته، لو أنه ارتبط بشخص آخر غير شريك حياته الحالي، فلا نرى سوى الجانب الجميل، الذي بتنا نفتقده مع رتابة الأيام، تلك الابتسامات، والدفء، والتفاهم المثالي، ولكنك لن نتخيّل عندها تلك المشكلات اليومية، ولا ضغوط الحياة، ولا ذلك التوتر الذي ينشأ عادةً من التفاصيل الصغيرة، التي لا مفر منها في كل علاقة... حقيقية!
ليس الأمر مقتصراً فقط على العلاقات، فتلك الوظيفة التي لم نحصل عليها تبدو دائماً أكثر بريقاً من وظيفتنا الحالية، فقط لأننا لم نعرف ضغوطها الحقيقية بعد، ولا طبيعة زملائها، ولا مديرها السيئ المزاج، بل ولعل الأمر يأخذنا إلى تلك البلاد التي حلمنا بالعيش فيها، فتبدو من بعيد أشبه بالجنة الموعودة التي لا مثيل لها، لأننا لم نُجرّب ازدحام شوارعها، ولا بُعدنا عن أهلنا وأصدقائنا، ولا مرارة الغربة، التي لا نراها في الأحلام الوردية!
حتى تلك المشاريع، التي لم نبدأها قط، تبدو دائماً سهلة النجاح في أذهاننا، فهي لا تفشل ولا تتعثر، لأننا ببساطة لم نُعرّضها لاختبار الواقع بعد، فتظل جميلة وناجحة وخالية من العقبات، فقط لأنها ظلت فكرة في أذهاننا لم نجربها إلا في عالمنا الافتراضي!
هل أثقلت عليك؟
دعني أعترف لك بأنه ربما يكون لطيفاً أن نحتفظ بهذه القصص، التي لم تحدث، كنوع من الترف الذهني الممتع، أو كملاذٍ مؤقت نرتاح فيه من ضغوط الحياة اليومية، لكننا يجب ألا نسمح لها أبدًا بأن تكون البديل عن حياتنا الحالية، ولا أن تسرق منا قدرتنا على الاستمتاع بما نملكه بالفعل، فالحياة الحقيقية، مهما كانت غير كاملة أو مُرهقة أحياناً، تظل هي الأكثر صدقاً وواقعية.
حياتنا الحقيقية يا صديقي هي حاضرة معنا الآن، نستطيع أن نغيّر فيها، وأن نتفاعل معها، أن نتعلّم منها، أما تلك القصص التي لم تحدث، فستظل مثيرة طالما بقيت بعيدة عن الاختبار، لكن الجمال الحقيقي، في نهاية المطاف، هو جمالٌ نلمسه ونعيشه ونشعر به في واقعنا اليومي، وليس مجرّد خيالٍ لطيف... لم يحدث أبداً!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
أشياء نتعلمها من أشخاص... لا نحبهم! / الحُب... في زمن الذكاء الاصطناعي!
