من السهل كثيرا أن نعترف بفضل الأشخاص الذين نحبهم؛ فنحتفل بوجودهم، ونتحدث عن أثرهم فينا، بل وربما نبالغ في شكرهم حتى على أمور بسيطة، لكن الغريب حقًا أننا ننسى أن بعض أهم الدروس التي تعلّمناها في الحياة جاءت من أشخاص لا نحبهم إطلاقًا، بل قد نفضّل ألا نراهم مرة أخرى!
هؤلاء الأشخاص، الذين لا نطيق رفقتهم ولا نحب مجالستهم، يقدمون لنا من دون قصد دروسًا مهمة للغاية، ربما لأن طبيعتهم التي تزعجنا تجبرنا على التفكير بعمق في ما لا نريده أن يكون فينا، أو ربما لأن نفورنا منهم يجعلنا أكثر قدرة على مراقبة عيوبهم بوضوح والاستفادة منها.
من زميلك الذي لا يتوقف عن الشكوى، تتعلم من دون قصد أهمية ألا تكون مثله أبدًا، وتقرر أن تكون شخصًا إيجابيًا قدر الإمكان، ومن ذلك المدير المتسلّط الذي يجعلك تكره كل لحظة تقضيها معه، تتعلم أهمية اللطف والتواضع حين تصل إلى منصبه يومًا ما! حتى أولئك الذين يغرقون في النميمة والكلام السلبي، يمنحونك درسًا قيماً في أهمية الصمت وعدم التدخل في حياة الآخرين، لذلك قد تجد نفسك ممتنًا سرًا لكل هؤلاء الذين لا تحبهم؛ لأنك بفضلهم أصبحت أكثر وعيًا بأشياء لم تكن لتلاحظها لولا وجودهم المزعج في حياتك!
لكن المفارقة الأكبر قد تكون في أن بعض من لا نحبهم هم الذين يساعدوننا بشكل غير مقصود على النمو النفسي، لأن التحدي الذي يفرضه علينا وجودهم يجعلنا نراجع أنفسنا بصدق، ونتأكد من أن ما ننتقده فيهم غير موجود فينا أصلًا، فلربما يكون الشخص الذي لا تتحمل وجوده هو المرآة الأكثر وضوحًا، والأكثر قسوة، التي تُظهِر لك كل ما تكره أن تراه في نفسك، وتساعدك من دون قصد على تغييره قبل أن ينتبه إليه الآخرون!
اللافت أننا قد لا ندرك هذه الحقيقة مباشرةً؛ فمشاعر النفور تجعلنا ننشغل بالغضب أو التذمر بدلًا من إدراك الدرس المهم، لكن بعد فترة، حين نبتعد قليلًا، وحين يتلاشى الغضب الأول، نجد أن هؤلاء الأشخاص كانوا كمرشدين عكسيين تمامًا، يوجهوننا إلى الطريق الصحيح من خلال تقديم مثال واضح لما لا يجب أن نكون عليه!
ورغم هذا الاعتراف الداخلي بفضلهم الخفي، تبقى نصيحتي الشخصية ألا تخبرهم بذلك أبدًا، فآخر ما تريده هو أن تمنحهم سببًا إضافيًا للبقاء قريبين منك أكثر مما ينبغي، أو أن تزيد من قناعتهم بأن وجودهم المؤذي في حياتك هو رسالة نبيلة يؤدونها بكفاءة عالية!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
يوم قرأتُ اسمي... في صفحة الوفيات! / أشخاص رائعون... لا نحب رفقتهم!
