(عندما يتحول السؤال الوجودي إلى صرخة نفسية)
أثار فيلم «الملحد» منذ الإعلان عن عرضه موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية والإعلامية، بين من اعتبره عملًا استفزازيًا يمس الثوابت الدينية ويظهر المتدينين في صورة منفرة، ومن رآه محاولة جريئة لفتح ملف الأسئلة الوجودية التي يتهرب منها الخطاب العام. غير أن القراءة النفسية المتأنية للفيلم تكشف أن جوهر العمل لا ينشغل بالإلحاد بوصفه موقفًا فلسفيًا مجردًا، بقدر ما يقدمه كحالة نفسية وجودية ناتجة عن تراكمات من الألم والخذلان وسوء التمثيل القيمي. وحين شاهدت الفيلم اليوم رأيت أنه في بنيته العميقة، لا يبدأ من سؤال «هل الله موجود؟» بقدر ما يبدأ من سؤال أكثر إيلامًا: «أين العدل؟ وأين الرحمة؟». وهنا يكمن المدخل النفسي الحقيقي لفهم العمل.
الإلحاد كآلية دفاع نفسي:
من منظور علم النفس الإكلينيكي، لا يظهر الإلحاد في الفيلم كاختيار معرفي حر نابع من دراسة فلسفية أو جدل عقلي ناضج، بل كآلية دفاع نفسية في مواجهة جرح داخلي لم يتم احتواؤه وصدمات لم يتم التعافي منهاَ. وحين يعجز الإنسان عن التوفيق بين ما يُقال له عن القيم، وما يراه من ممارسات متناقضة، يصبح الهدم الشامل أحد أسهل المخارج النفسية لتخفيف وطأة الصدمة. إن إنكار الفكرة هنا لا يكون رفضًا للعقل، بل محاولة للهروب من الألم المرتبط بها. فالفكرة التي كانت يومًا مصدر طمأنينة، تتحول –بسبب سوء تمثيلها– إلى مصدر تهديد نفسي .
صراع الأب والسلطة الرمزية:
أحد المفاتيح النفسية العميقة في الفيلم هو الصراع غير المعلن مع صورة الأب، سواء كان الأب البيولوجي (وقد ظهر في صورة شخص مستبد برأيه، متسلط، جاف المشاعر)، أو الأب الرمزي المتمثل في الشيخ أو المؤسسة أو الخطاب الديني الجامد. وفي التحليل النفسي، تمثل صورة الأب مرجعية القيم والحدود والمعنى وتمثل العلاقة بالأب مقدمة وبروفه للعلاقة بالرب بعد ذلك. وحين تكون هذه الصورة قاسية، أو متناقضة، أو معيبة أو مخيبة للآمال، يتحول الغضب المكبوت إلى رفض شامل لكل سلطة حتى سلطة الرب. وهذا الرفض لا يتوقف عند الأشخاص، بل يمتد إلى الأفكار التي يمثلونها، وهنا يحدث الخلط الشائع بين الدين بوصفه قيمة مطلقة، والتدين بوصفه ممارسة بشرية قابلة للخطأ والانحراف.
التشوهات المعرفية لدى الملحد:
يعرض الفيلم – بوعي أو دون وعي – عددًا من التشوهات المعرفية الشائعة لدى من يمرون بأزمات إيمانية ووجودية، من بينها التعميم المفرط، حيث تُسقط تجربة سلبية واحدة على منظومة كاملة، والتفكير الثنائي الذي لا يرى سوى خيارين متناقضين: إيمان كامل أو رفض كامل، أو تصنيف ثنائي للناس على أنهم أشرار أو أخيار، دون الاعتراف بمساحات الشك والأسئلة أو المساحات البينية. كما يظهر الإسقاط النفسي بوضوح، حيث تُحمّل المفاهيم المجردة أخطاء الممارسات البشرية، ويحدث الخلط بين المقدس والبشري، فيتحول سقوط النموذج إلى سقوط القيمة ذاتها.
الإلحاد وأزمة الهوية:
وفقًا لنظريات النمو النفسي، خاصة نظرية إريكسون، يمر الإنسان في بعض مراحل حياته بأزمات هوية يبحث فيها عن ذاته بعيدًا عن التلقين والتبعية. وفي هذا السياق، قد يكون الإلحاد مرحلة احتجاج نفسي ومحاولة لاستعادة السيطرة والاستقلال، لا موقفًا نهائيًا مستقرًا، ومواجهة الملحد بالإدانية أو القسوة في هذه الحالة العابرة تجعله يتمسك بهذا الخيار كأمان وجودي ضد القهر والسيطرة الأبوية أو السلطوية. والفيلم يلتقط هذه المرحلة بدقة، لكنه يتركها معلقة، دون أن يقدم مسار نضج لاحق، سواء نحو إيمان واعٍ ناضج، أو لاأدرية متزنة، أو حتى معالجة نفسية حقيقية تعيد بناء العلاقة مع المعنى.
القوة والقصور في الطرح:
تُحسب للفيلم جرأته في تقديم شخصية الملحد بوصفها شخصية إنسانية غير شيطانية، لا تُختزل في صورة الشر أو الانحلال الأخلاقي فهو طبيب محترم وملتزم مهنيا ولا يرتكب انحرافات سلوكية ، كما يُحسب له كسره لصورة المتدين المثالي الخالي من التناقضات. هذه المنطقة الرمادية تمنح العمل قدرًا من الصدق الفني.
غير أن القصور الأبرز يتمثل في توقف الفيلم عند لحظة الهدم، وترك المشاهد في فراغ معنوي، دون أفق إنساني أو علاجي واضح. وكأن الرسالة غير المقصودة هي أن التيه قدر محتوم، لا مخرج منه.
وقد كان التسلسل الدرامي يضع الأب المتسلط في محطات ضعف حين يسقط مريضا، وكان هذا يمهد لتغيير نسبي في موقف الإبن الملحد منه حين يراه ضعيفا أو مكسورا، وكأن الصراع النفسي كان ينكسر جزئيا مع لحظات ضعف الأب، ويبدو أن ذاك الصراع سقط كليا حين مات الأب ولم يعد الإلحاد كدفاع نفسي مطلوب، ولذا جاءت نهاية الفيلم، أن تقدم الملحد بتشجيع من عمه ليؤم صلاة الجنازة على أبيه وتتردد تكبيرات صلاة الجنازة على لسانه بقوة، وهنا يظهر بوضوح أن إلحاده لم يكن قضية عقائدية بقدر ماهو أزمة نفسية عاشها مع نموذج الأب المرفوض .
ومن أوجه القصور أن النص المكتوب كان حاضرا وطاغيا بقوة، وقد عطل هذا جزئيا تلقائية التفاعلات الدرامية، وكأن أبطال العمل كانوا محبوسين في النصوص الدينية والنصوص المضادة، فلم تظهر ارتجالات إنسانية أو اجتهادات عفوية، أو تفاعلات متعددة المستويات تخرج عن أحادية الرؤية أو الزاوية فسارت الأحداث كما رتب لها دون مفاجآت أو تناقضات محتملة للسلوك البشري.
كما أن دور الطبيب النفسي كان باهتا وضعيفا، على الرغم من أن الملحد كان يحتاح لتفهم نفسي ومساعدة نفسية، ولكن بعيدا عن كونه مريض نفسي، فشتان بين المرض النفسي الإكلينيكي، والأزمة النفسية الوجودية .
أهمية وخطورة الفيلم:
أهمية الفيلم لا تعود فقط إلى جرأته، بل إلى ملامسته لقلق معاصر حقيقي: قلق المعنى، الإحباط من النفاق، الغضب من السلطة، والشعور بالوحدة الوجودية في عالم مضطرب. غير أن الخطر النفسي يكمن في أن يتحول الفيلم من تشخيص للألم إلى تطبيع مع الضياع، وتعميم سلبي ضد المتدينين وربما ضد الدين، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا، خاصة أنه لم يكن بين المشاركين في الأحداث شخصية معتدلة ناضجة ومتوازنة باستثناء عمه أكرم .
خلاصة نفسية:
في النهاية، يمكن القول إن فيلم «الملحد» ليس فيلمًا ضد الدين، بقدر ما هو فيلم عن جرح نفسي لم يجد من يحتويه، وعن علاقة مكسورة مع المعنى، وعن أسئلة تُركت بلا إجابة رحيمة. ومن منظور نفسي، لا الإيمان يُفرض بالقوة، ولا الإلحاد يُعالج بالإدانة أو العقاب أو التهديد، بل بالفهم، والحوار، وإعادة بناء الثقة بين الإنسان والقيم التي تمنحه الطمأنينة.
فالإنسان لا يعيش بالأفكار والقواعد والطقوس وحدها، بل بالمشاعر والعلاقات والمعنى والروح… وإذا انطفأت المشاعر، وتحطمت العلاقات، وغاب المعنى، وانطفأت الروح، صرخ العقل بما يستطيع.
واقرأ أيضًا:
ترامب الجديد عاد لينتقم من أمريكا والعالم / التحليل النفسي لشخصية بشار الأسد1
