الصورة النمطية عن أزمة منتصف العمر معروفة للجميع، رجلٌ في الخمسين يتصرف كمراهق فيبحث عن علاقة عاطفية جديدة، أو امرأة تُغيّر مظهرها تمامًا في محاولة لإثبات أن العمر مجرد رقم، إلا أنه ورغم انتشار هذه الصورة النمطية عن أزمة منتصف العمر، إلا أنها سطحية جدًا، فهذه الأزمة ليست مجرد نزوة عابرة أو رغبة متأخرة في المغامرة، بل هي أعمق وأشد تعقيدًا!
هذه الأزمة ليست مرتبطة برقم أو عيد ميلاد محدد، بل بلحظة إدراك عميقة، أو نظرة متأملة أمام المرآة، أو حوار داخلي مفاجئ تتساءل فيه: «هل هذا حقًا ما كنت أطمح إليه؟»، لتكتشف فجأة أن ما تعيشه اليوم بعيد عن الصورة التي رسمتها لنفسك وأنت في مقتبل عمرك، المنصب، المكانة الاجتماعية، العلاقات، وحتى شكلك الذي لم يعد يشبهك كثيرًا!
ما يجعل الأزمة أصعب وأكثر ألمًا هو أنك لا تكتشف فقط أن أحلامك لم تتحقق، بل تكتشف أيضًا أنك أصبحت مقيّدًا إلى حدٍ كبير، فقد تغيّرت الظروف، وهناك في كثير من الأحيان عائلة تعتمد عليك وتستمر بسببك، فتشعر أنك لا تملك حرية اتخاذ قرارات كبيرة قد تهدد استقرارهم، وربما وجدت نفسك مجبرًا على الاستمرار في علاقة زوجية لا تشبهك اليوم، لكنك لا تملك شجاعة الرحيل خشية أن تدمر بيتًا بنيته لسنوات طويلة!
هذا التعقيد قد يطول أيضًا حياتك المهنية؛ فقد تجد نفسك مضطرًا للبقاء في وظيفة لا تُرضيك، لا لشيء سوى أنك مطالب بتسديد أقساط البنك أو الالتزامات المالية التي تراكمت عليك، وهكذا تشعر أنك محاصر من جميع الجهات، أسيرٌ لمشهد حياتي صعب تغييره، وخائف من المبادرة خشية أن تتداعى كل التفاصيل من حولك!
المدهش هذه الأيام أن الجيل الأصغر يعيش هو الآخر أزمة مشابهة، لكنها تبدأ في فترة مبكرة كبداية الثلاثينات، وتُعرف بـ«أزمة ربع العمر»، وقد يكون أحد أسبابها هو أن هذا الجيل قد حصل على كثير مما أراده بسرعة، فسافر، ونجح، وجرّب الحياة، واستهلك الكثير من اللذات، وأشبع رغباته مبكرًا جدًا، إلا أن الأزمة تأتي حين تهدأ موجة النجاحات والإنجازات والملذات، وينهض سؤال المعنى فجأة بوضوح: «ماذا تبقّى لأشعر به؟» وحين تأتي هذه الأسئلة مبكرًا، يصبح الشعور بالفراغ أصعب، ويصير البحث عن معنى جديد عملية أكثر تعقيدًا وإرهاقًا.
الأزمتان، منتصف العمر وربعه، ليستا سوى وجهين لحقيقة واحدة: أننا حين نصل إلى نقطة معينة، يصبح التراجع فيها صعبًا، والتقدم منها مخيفًا، فنشعر أننا عالقون في منطقة رمادية لا نستطيع فيها اتخاذ قرار واضح، وهذا الشعور بالحصار أو عدم القدرة على التغيير قد يخلق حالة من الإحباط أو الاكتئاب تحتاج أحيانًا لتدخل متخصص يساعدنا في إعادة ترتيب المشهد من جديد.
قد لا أمتلك حلا أقدمه لك اليوم يجيب على كل تساؤلاتك، لكن المهم هو أن نفهم أننا لسنا وحدنا في هذه المنطقة الرمادية؛ فربما معظم من حولنا يعيشون مثلنا، فيكتمون الأسئلة ذاتها، ويبحثون مثلنا تمامًا عن مخرجٍ يُشبههم، وربما تكون بداية الحل أن نعترف بهدوء بأن الأسئلة التي نطرحها الآن، هي من أصعب وأصدق ما طرحناه على أنفسنا يومًا
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
تلك الأسئلة التي... نعرف إجاباتها! / لماذا أكتب؟ حوار مع النفس!
