عن -خذ وطالب- وكم أدخلوا حتى الآن من تحسينات؟!..1
لم يكن بورقيبة خائنا لشعبه وأمّته (أبدا! من قال هذا الكلام؟!). ولا كانت تربطه صلة بفرنسا والمشروع الاستعماري (أبدا، أبدا !!)... ولا بأيٍّ من الدّوائر الصّهيونيّة والماسونيّة (أبدا أبدا أبد...!!!). أوَليست بريطانيا العظمى مَن صنعت عبد العزيز بن سعود. أوَليس الأخير من قال بعظمة لسانه البدوي في مؤتمر عقير سنة 1923:" إن السير بيرسي كوكس (المندوب السامي البريطاني) هو أبي وأمي، وإنه هو الذي صنعني ورفعني من لا شيء إلى المكانة التي أحتلها، وإني على استعداد لأن أتخلى عن نصف مملكتي بل كلها، إذا أمر السير بيرسي بذلك"؟!...
كذلك حبيب بورقيبة… فلقد صنعته فرنسا كما صنعت عربة "بيجو" أو "رينو" أو الدبابة "كلير"(مثلا). وحين رفعته على رقاب التوانسة، ووضعته فاستوى على "عرشه الجمهوري" في قصر الحكم بقرطاج، ورعته حتى قضى على كل نفس مقاوم، واستقر له الأمر والنهي… أغناها عن الاحتلال، وكفاها التكاليف… فسحبت كل دباباتها، وأجلت آخر جنودها من آخر قواعدها في بنزرت. ولقد تشارك في اختراعه، الرئيس ديغول ووزيره الأول (اليهودي) منداس فرانس. كما تشارك الأخوان لوميير في اختراع آلة عرض السينما. لذلك، حين أرسله الذين صنعوه ليقدّم العرض "البطولي والريادي" في أريحا، فخطب وحضّ على القبول بقرار التقسيم والاعتراف بـ"إسرائيل".... كان كعرض فيلم إباحي أو رقصة "ستريبتيز" في وسط مازال فيه حياء. كانت حكمته المزعومة: "خذ وطالب.... ما أسفهها حين قيلت أول مرة. وما أسفهها وأسخفها حين تستدعى للقول كل مرة. فالذي كان المستعمر أباه، ويربطه به حبل الولاء.... يقنع، كما يقنع الولد بعطاء أبيه. فيأخذ ويطالب بالمزيد.... ولا يزيد!
وإذا أمر أبوه أن يردّ إليه بعض أو كل ما أعطاه، أفليس أساس العلاقة بين الأب والابن "أنت ومالك لأبيك"؟ تأملوا في قول عبد العزيز بن سعود. ولأن بورقيبة فعل فعلته التي فعل، أنْ قال مقاله وعاد إلى قرطاج، يرفع رأسه فوق كتفيه، كرّت بعده المسبحة، واتسع الفتق والرُّكح، لرقصة التّعرّي الجماعي!...
ثم ما الذي اختلف حقا بين العام الذي صدر فيه قرار التقسيم عن الأمم المتحدة، أو العام الذي قال فيه بورقيبة تلك "الحكمة البالغة" عن العام الذي اعترفت فيه مصر السادات بـ"إسرائيل" وطبّعت، وتبعتها الأردن ثم "منظمة التحرير" ، وصولا إلى ما بعد بعد تلك المبادرة التي أوحى بها توماس فريدمان، لعبد الله بن عبد العزيز بن سعود، وتبنتها الجامعة العربية… و"تكرمت" قمة الملوك العرب في بيروت بعرضها على "إسرائيل".... ليقول عنها شارون: لا تسوى الحبر الذي كتبت به!؟
(3)
الآن ستّون سنة "استغلالا".... نعم. كان بورقيبة زعيما مهيابا ذا سطوة (على شعبه بالطبع)، لكن سطوة "الحرس" على الشعب ووطأته أشد. "الشعب" الذي استلمه على حدّ قوله من فرنسا حطاما وذرات أفراد. قبل أن يستلمنا منه بن علي عنوة، وزيره الأول وصنيعة "السي. اي. ايه" حطاما على حطام… ثم تركنا (كيف تركنا؟) وهرب في "ثورة" أمريكية فاقع لونها، تسر الناظرين. صهيونية الهوية والهوى (لمن يرى)، أهلكت الحرث والنسل… ولا شية فيها بزعمهم!َ...
ثم مات الجنرال آمنا بسلام و دفن، في حضيرة "البقرة الحلوب" التي يأبى ضرعها إلا أن يدرّ سخاءً رخاءً وحصرًا في حلاليب الصهاينة...!
مات بنعلي، وقبله طال عُمُر بورقيبة، وتطول أعمارُهم لكَم هي تطووووول، ثمّ مات....
مات بورقيبة وبقي الحرس!
"يحيا بورقيبة.... يحيا بورقيبة.... يحي...." موّتونا بها والله ونحن صغار.... وفتّش تجد فيما ها هنا، وعدا الرّعيل الأخير الّذي وُلِد ونَشأ في "العهد الجديد"، تجد في أيّ منّا لا تفتأ تتردّد في قرار سمعه (البعيد) أو جوابه (القريب)، أصداءٌ صدئة متحشرِجة، صارت عبثيّة وجنائزيّة لترنيمة ذلك الهتاف الطّقوسيّ التّآمريّ الممجوج والمتهافت. وقد تعالى ثُلُثَ قرنِ من الزّمان . وملأ الأفواه والأذان، وشوارع "المجاهد الأكبر" وقصُورَه، وما أكثرَه.... أنا الآن أقتحم عليه آخرَها (لأنها جبّانة ؟!):
قبّة وقبّتان....
وصومعة على اليمين وأخرى على الشّمال....
قبّة تلمع الشّمس على أشعّته....
وأعلى الصّومعتين أخريان....
تردّان أشعّة الشّمس إلى الشّمس
إنِ الشّمس طلبت أشعّته....
يا أعيُنَ الجِيَاع اللّمّاعة
بقلبي لوعة ملتاعة
للّه ما أترَفَهُ كم من قصور...!
قصرٌ و قصرٌ
وأُخَرٌ للحياة....
وللموت قصر بين القبور...!
يرقد الآن إذن، تحت القبّة المترفة هنا، بين نفيس المرمر وبريق الذّهب. يستريح ممّا ناله من تعبِِ في جهاده لنا، وفي مسيرته المظفّرة لتحرير المرأة من المرأة، وبناء البلاد من دون العباد. ضمن مشروعه الحداثوي، في ظلّ الاستغلال الناجز و"السّيادة" كما رآها هو ومارسها، والنّظام الجمهوريّ الّذي شيّده بما لا يشبهه شيء.... ولا ثيوقراطيّة الأوروبيّين في القرون الوسطى!
حين تعب، وحتى قبل أن يجتمع الأخبثانِ تحته على عرشه الجمهوريّ.... بنى مرقدَه هذا الوثير بنفْسه وبرويّة. بثمن طعامنا وكتابنا وعذابنا. فكان آخر الإنجازات.... ليدلّ الزّوار والتّاريخ، بلا زور على مشروعه الحداثيّ الكبير المزوّر، ويدلّ ملائكة الرّحمة عليه، ثمّ نام...!
وأذكر أنّي من فرط السّعادة ربّما، في آخر عهد "المجاهد الأكبر" رأيت في المنام (فقط في المنام!).... وما قرأت بعدُ ابنَ سيرين، ولم أكن على عهد خاصّ، مع عباس ابن فرناس، ولا أنا من تنظيم القاعدة الّذي طلع من بَعد.... رأيت أنّي أقود طائرة (مدنيّة للأسف!).... في غَمرَة الانبساط. جالس على أريكتي، وعليّ قميص أبيض. أرقُب من قُمْرة القيادة سُحُبا بلون قميصي. أرتفع فوقها بالطّائرة وأنا في حال انتشاء وصعود. جاء "العهد الجديد".... انقلَب (في اليقظة) صعودي إلى هبوط. صار "العهد الجديد" قديما… حتى ساق لنا الكاوبوي (لله ما أمهره!) مِن إناث الثور (ثورات) ما أوقع العرب صرعى بالعفس والرفس وغرقى (حاشاكم) في البول والروث. و كم من العرب ركب قوارب الموت في الأبيض المتوسط هربا، واقتاتتهم الحيتان. وكم بقي من زمن لمن بقي منهم أحياءً بين خرائبهم، كي يصيروا (عن بكرة أبيهم) من سكان المخيمات!؟... وفيما لا يزال منهم من يتبارون غزلا في "ثورة الياسمين" وأخواتها المجيدات… لا زلت - أنا - أطير، وأُرمَى بتهمة الإيمان بنظرية المؤامرة، فأطيل في هبوطي الاضطراري، وأبحث عن حيلة أو وسيلة، لأخفّف بها هول الارتطام...!
وتطول أعمارُهم لكَم هيَ تطووول!... حتى لَتَشعُر بأنّ الزّمن توقّف، وأنّ الموتَ هو مَن قد مات. أو فقد الشّعور، فقد المعنى. فقَد حتّى.... الاحترام...!
استغفر الله العظيم. قلت لكم منذ نطقت لكَم تعبت!... موثوق أنا، عالق هنا، كمنديل من حرير علَق في الزّرب.... حاصرتنا أمريكا - ولا زالت - في دار أليفن سيفن أيتي سيفن (1987-07 -11 ) حصارَها من في دارفور!... وكانت تجادلني من عَلِ، بلاغة الإمام عَلِيّ. تهتف إليَّ بالحكمة والموعظة الحسنة: "إذا خفت من شيء قع فيه !"....
وكنت أطيل في هبوطي الاضطراري.... أبحث عن حيلة أو وسيلة، لأظفر بأخفّ الارتطام !!!
والسلام، على جعفر عباس، وعلى عباس ابن فرناس، وعلى أحمد التهامي، شرط أن يحيى ويموت.... في تكساس!
واقرأ أيضاً:
قراءةٌ وترْتيلٌ! / دعيني! / ألغى الرسالة......... ألغاه......!
