إلى أحمد التهامي في تكساس. (ما يزال في تكساس!).
"أقسم باللّه أن أباشر مهامّي بإخلاص ونزاهة، وأن أحافظ على شرف المهنة وعلى السّرّ المهنيّ". أستغفر الله العظيم.... كم من مقسم بهذا القسم، لكأنّما أقسمَ بحبّة بصل، بَدَلَ أن يُقسِم بالله العظيم...!
ثمّ لماذا - وهُم كلّهم - من رئيس "الدّولة" إلى عون الشّرطة البلديّة، يقسمون لنا باللّه، ما دمنا نصدّقهم رغم أنوفنا، وهم على حنث عظيم ودائم؟!
ثارت الزّوبعة في رأسه من جديد. فيما أخته الكبرى تغيّر حفّاظات أمّها، بعد أن تعاونا في تنظيفها، وكان في مراوحة بينهما وبين المطبخ، وأتمّ للتّو طبخ الفطور. استلّ ستّة أعواد نحيلة من البخور الهنديّ، من حزمة مصفوفة في علبة من بلّور، موضوعة آخر علب البهارات على الرفّ في المطبخ. أشعلها، وغرس كلّ عودين في كوب صغير من الشمع مملوء بالرّمل. ووضع اثنين منها في كلٍّ من قاعة الجلوس وغرفة أمّه، ودَلَف ببخوره إلى زنزانته كما يسمّيها، وأوصد خلفه الباب، وقد طرد عبَقُ البخور الرّيحَ الّتي تراقصت لدقائق في أنفه. ألقى ضهره المقوّس قليلا على سريره بالعرض، ثمّ انزاح ناحية المخدّة، يلتمس رفعا يسيرا لرأسه الذي شيّبته الهموم ثمّ عرّته، كما تعرّي العواصف الصّخرة من التّراب. تناول هاتفه الذّكيّ من جيبه. كان يسمّيه الهدهد أوّل ظهوره، ثمّ الجاسوس المزدوج وعديم الأصل. لكونه يمدّ العدوّ عنه بكلّ خبر يقين، ويأتيه بأخبار في الغالب غيرَ موثوقة.
وضع اسم صاحبه على محرّك البحث فلاحت صورتُه وعناوينُه، في تواريخ تتابعت في محطّات، كان آخرَها جامعة تكساس. حين تعب أحمد من التّدريس في فرنسا وجاء إلى هنا، لتدريس الفيزياء الحيويّة في مدرسة المهندسين لخمس سنين. كان السّيد جوهر أوّل من تعرّف إليه في المنستير. المدينة التي ما كانت لتكون - كما أضحت - قطبا جامعيا إلّا لأنّها مسقط رأس الرّئيس بورقيبة "المجاهد الأكبر" كما كنّاه بنو سعود (لجهاده مثل جهادهم)، وأطاح به حين أصابه الخرف، جاسوس "السي أي ايه" وكان وزيرَه الأوّل. فغشّى "المنستير" ما غشّاها من الشعور بالانكسار والغبن، لخسارتها الحضوة التي كانت تلقاها، فيما آلت الحضوة إلى مسقط رأس الجاسوس الجديد. وذلك سنّة مؤكّدة ولا شكّ، في فقاهة الدّولة عند العرب.
وحتّى قبل أن تكتمل شكليّات التّعارف بين جوهر وأحمد، انفتحت نوافذ نفسيهما على بعضهما، وكلّ الأبواب على مصاريعها، لصداقة بينهما بلا حدود. بعد ذلك سافر أحمد إلى بلجيكا، درّس فيها عاما ثمّ في كندا، قبل أن تستقرّ به رحلة العلم في تكساس.
جعل السّيد جوهر يتنقّل بين الأبحاث العلميّة المنشورة للبروفيسّور أحمد، على منصّة الجامعة على النت. يتهجّى المقدّمات الّتي على أغلفتها، في مراوحة بين الإنجليزي والعربي عبر الترجمة الآليّة. فلا فهم شيئا منها هنا، ولا فهم شيئا منها هناك. وعزاؤه، يلقاه في شعوره بالفخر، بصديق يُسهم علمُه في التّقدّم بالعالَم. لكن، ما ينغّص عليه شعورَه هذا، شيء واحد فقط، فعالَم تقوده أمريكا.... يتقدّم إلى أين؟
بدفع من وخز الضّمير وشعورٍ بالتّقصير في التّواصل مع صديق معدنه ذهب. قرّر أن يكتب.... استوقفه تقريع أخته (الكبرى) لأمّه غير المسبوق والمروِّع، حين تعالى صوتُها الباكي إليه، من خلف الباب الموصد وهي تقول: كنتِ سالمةَ ثمانين حوْلاً لا تقولين إلّا منكرا من القول وزورا. تصدّين عن المعروف صدّا، وتبغينها دائما عِوَجا. أذقتِ المرحوم أبي المرّ، حتّى فرّ منكِ بجلده، ليصوم عن حُلْوِك والمرّ، عند ابنه الأكبر السّابق بالفرار. وكنت تحادّين الله تعالى في علوّ. علوّ السيّد من كبراءِ عربِ الجاهليّة الأجلاف، مع عبده إذا آمن (عبدُه) بالنّبيّ محمّد. فضاضتك، وكفرك وعنادُك، وهمجيّتك الفائضة، كأبي جهل في ذرى الجاهليّة. أبرْكان أنت دائم الثّوَران، أم بالوعة مجاري توالي الفيضان؟! فرضتِ عليّ وأخي، العنوسةَ والعزوبيّة، وأذهبَتِ البَرَكة من هذا البيت. فلو علِم أبوك كيف ستكونُ سيرتُك معنا، هل كان لِيُسمّيك - كما سمّاك - مبروكة؟!
ويلك وويلي، إن لم يغفر لك ولي ربُّك وربّي! رأيتكِ في أحايين كثيرة، وأخشى أن يُشهدني الرّبّ يوم الحساب، ترفعين وجهك وتدقّين بصرَا من حديد في كبِد السّماء، تتوجّهين له - جلّ في علاه - بالشّتيمة والبصق والسُّباب!... يعظك دائما ابنك الأصغر وأعظك. ونحضّك على التّوبة والاستغفار. ولا شيء من ذلك نفذ إلى قلبك. فهل يُغْني استغفارنا لك عنك في شيء؟... يا ربّ اغفر وارحم. يا ربّ اغفر وارحم.... ياااااا ربّ!...
ردّد جوهر في سرّه دامعا: "يااااااربّ!".
خشي للحظة من أن يغمرَ صديقَه - إن كتب إليه - وهو في محراب العلم، بالرّوائح الكريهة الّتي ظلّت لسنين طالت، تراقص أيّامه غصبا، وتراقِص أنفه رغم أنفه.
قطف بيده قطفة من البخور المتصاعد من العودين النّحيلين المحترقين إلى النّصف. لاح له فيهما شِبْهٌ له (هو) وأختِه. مرّر يده فاتحا قبضته أمام أنفه. وتملّى في سِحنةِ أحمد، الطّافحة بالصّفاء والنّقاء والبِشر. هو رجل في غاية الرقيّ، ومعدنه ذهب. لذا قرّر أن يكتب إليه، أيّا كان المزاج، وكيفما كانت الفحوى، شرط أن يُسقط من الحساب تفاصيل مقرفة جدّا، يعرف صديقه أحمد مجمَلها. وتعلّقت بقصّته مع النّظام، من رأس هرمه (جاسوس "السي. أي. ايه" ، الذي قضَى ودُفن حيث قِبلة المسلمين في مزرعة "البقرة الحلوب"، تلك التي يدِرّ ضرعُها سخاءً رخاءً وحصراً، في حلاليب الصهاينة)، إلى "عدل التّنفيذ" الذي أُوكِل إليه - تحت القَسَم - تخريب بيته (وخرَبه)، فكتب:
أنا - الآن ودائما، وكما كنت - أسخط على قضائهم، وأتصالح مع ما قدّر الله لي، وأرضى بقضائه. أتشرّف برعاية أمّي، الّتي أقعدها ثنائيّ العجز الذّهني والبدنيّ، وعضّت (بلا نواجذ أو أسنان) على حياة (لا) تشبه الحياة. وهي تكدح كدحا كي تُتمّ - قريبا - قرنَها الأوّل!
أسأل الله لها ولنا اللّطف والسّتر. وسأرعاها ما أبقاني الله قادرا، ولو عمّرَت قرنين. فليس لها غيري يطيق رعايتَها...! ولم يَعد من حاجة لي، أو مبرّر للسّفر والتّطوّع للعمل الخيريّ، كما كنت أنتوي من قبل. ومَن في العالَم - الآن - أوْلى بخيري من أمّي؟
لقد تعطّلت عندها لغة الضّاد، وأرسى اللهُ صوتَها كالرّعد على أعلى الدّرجات. إذا سمعتَها من خلف حجاب، ظننتَها بلدوزر ومن الطراز القديم، يعمل بكامل طاقته دون كاتم صوت. في ورشة فيها التّدمير والتّحفير والرّدم. تَرطُن بلغة، لا هي "الإسْبِرَنتو" الّتي ابتدعها البولندي زامَنْهُوف، رغبة منه في توحيد شعوب شرق أوروبا وفَشَل. ولا هي "بَلَيبَلان" للعارف محيي الدِّين ابن عربي، الّتي وضعها لمريديه ولخاصّة عِلم اللَّدُنّ. وحتّى داخل أروقة الأمم المتّحدة، التي يديرها الصّهاينة، لا تجد لها صرفا أو عدلا. ترطُن بها من اليقظة حتّى المنام. والمنام أحيانا لا يجيء معاليه، مهما توسّلتُ في طلبه بالحبوب المنوِّمة.
قال الطّبيب تقلّص دماغها فصار بحجم دماغ الدّجاجة. قلت لا مشكلة. فلا حاجة هنا للأدمغة الكبيرة. إنّما المشكلة - أكرمك الله - في صوتها الصّاعق دائما، واللّاهب كالسّوط، وفي نظافتها.... ولولا أختي الكبرى الّتي تقدّم العون لي. يا ويلي!...
تصوّر أخي، نظّفناها مرّة وغيّرنا حفّاظاتها، وما إن أودعناها في فراشها.... تبرّزت!
هوّنت الأمر قلت لا بأس. فقد يجري مثْلُ هذا على الأصحّاء. أعَدْنا تنظيفها ومدّدناها في الفراش.... فتبرّزت!
تكرّر الأمر معها خمس مرّات!... ما ذكّرني باللواء البسيوني، مدير السّجن الحربي في مصر ما بين "النّكبة" و"النّكسة". (لطفك يا ربّ)، فبينهما، تنتعش مِثلُ تلك الظّاهرة. كان توعّد بإلقاء القبض على الله تعالى - إن هو نزل من السّماء - ليرميَه في الزنزانة مع أحد ضحاياه الّذي صرخ فيه من فرط التّعذيب يا بسيوني اتق الله!...
حين مات، وأتمّوا تغسيله وكفّنوه.... تبرّز!
فأعادوا، فتبرّز!... وكرّر الأمر معهم أحد عشر مرّة!... حتّى أشار لهم الطّبيب الشّرعيّ (رحم الله والديه)، بأن يدفنوه بما ختم الله له!...
رسالتي هذه لك طالت، كطول اللّيل المخيّم على هذي البلاد يا أحمد. وإن كنتُ مقصّرا في التّواصل معك فيما مضى، فإنّي الآن - كما ترى - ما قصّرت!... ولا يَحسُن بي - طبعا - أن أختم بما انتهيت الآن إليه. لذا، فإنّي أسلّم على كلّ عائلتك الكريمة. كم صار عدد الأبناء الآن؟ هل من أحفاد أم ليس بعد؟... تهمّني أخباركم. وإن شئت مخاطبتي في الهاتف فلا بأس. أرسل لك الرّقم الجديد في رسالة مستقلّة إثر هذه. إنّما وجب أخذ الحيطة ولزوم الحذر. فهاتفي كعادته مراقب. والنّظام كعادته.... لم يتغيّر!
وأقرئك السّلام - ختاما - من ذلك الموظّف (أتذْكُرْه؟)، الذي كنتَ تلاطفُه كلّما لاقيتَه في المدرسة العليا للمهندسين. وكان في كلّ مرّة يصرّ على تكرار قوله لك: هذي البلاد، خيرُ بلادٍ في العالم!.... وإثر كلّ محادثة تسأله:
- ماذا كان فطورك اليوم؟...
وكان يجيبك دائما:
- معكرونة!...
ما استفزّك آخر مرّة للقول:
- أنت لم تعرف من العالم غير هذي البلاد، وعيشك فيها دائما معكرونة، وتقول لي هذي البلاد هي...؟!
لاقيته من يومين، يثّاقل على عكّازين، وبينهما ساق محمرّة ومنتفخة، يطأ بها الأرض هَوْنا، ونصف ساق تتدلّى، ويتدلّى من يمينه جيب به حبوب "الغليكوفاج".... هو يقرئك السّلامَ ويقول لك: أما زلت يا أستاذ تماحكني في رأيي؟
نقطة الاستفهام التي بدا أنه أنهى الرّسالة بها، برقت في ذهنه فأضرمت فيه السؤال عن القيمة فيما كتب. وعمّا إذا كان ذلك يرضيه، ويصحّ إرساله إلى أحمد. وضع سبابته على شاشة الهاتف، وسحبها من أعلى إلى أسفل، وكرّر ذلك حتى كشف عن مطلع الرّسالة ليعيد قراءتها. وبفراغه من قراءتها، ملأه الشعور بالقرف وضاق عليه النفَس. ضغط على كلمة "الإلغاء" أسفل النَّص، فألغى الرّسالة.... ألغاها...! ونهض فبرَح "زنزانته"، وخرج يلتمس دفقة هواء نقيّ، تنعش دماغه ورئتيه.
واقرأ أيضاً:
محو الأمية! / وأريـدُكِ! / قراءةٌ وترْتيلٌ! / دعيني!
