مخدر الأيس (الشابو) حيرت عقلي معاك
أهلاً بكم مرة أخرى.... تناولنا في المقال السابق (مخدر الشابو "الأيس": حيرت عقلي معاك) ملابسات ظهور المخدرات التخليقية عموماً ومخدر الشابو خصوص...
في مقالنا اليوم سنعاود الغوص ولكن بصورة أعمق نحو سبر أغوار هذا المخدر -الرعب- بدءاً من متابعة معدلات انتشاره الرهيبة داخل أوساط الشباب والمراهقين والأسباب والدوافع الكامنة وراء ذلك، مروراً بطرق استعماله الشائعة عالمياً ومحلياً، وإذا اتسع المجال -في هذا المقال- سنتحدث عن الأثر المدمر على المتعاطي والأسرة والمجتمع عموماً، وكذلك وسائل الوقاية والعلاج، وما ننصح به الأسر والأهل لمواجهة هذا الوباء الوشيك الذي ندعو الله أن يحفظ منه أحبابنا وأهلنا.... آمين.
من غير المألوف في مجال وبائيات الإدمان أن يأخذ منحنى الصعود لأي نوع جديد من المخدرات هذا الصعود الصاروخي -ومنذ اللحظات الأولى- كما هو الحال مع مخدر الشابو، فعادة ما يعقب مرحلة الظهور المفاجئ مرحلة من الثبات تسمى مرحلة "البلاتوه" وأحياناً تسمى بمرحلة "الكمون" تتسم بالثبات أو التأرجح في معدلات التعاطي صعوداً أو هبوطاً طفيفاً يخضع خلالها المخدر الجديد لمرحلة المراجعة -الريفيو-؛ فالبعض قد يصفه بأنه "اللي ما حصلش" أو "بالأحسن/ الأوحش" أو "الأقوى/ ما لوش لازمة"، أو قد يلجأ بعض المتعاطين لتجربة المخدر الجديد مع أحد الأنواع الأقدم لمحاولة اكتشاف طرق أو آثار جديدة قد تنشأ عن هذا الخلط، وربما يحاولون تجربته في مواقف معينة كالجنس أو القيادة أو حتى المذاكرة، وعقب تلك المرحلة يبدأ ذلك المخدر في التقدم التدريجي لإثبات نفسه أو الانحسار شيئاً فشيئاً واضعاً اسمه ومعدلات انتشاره في مكان ما ضمن القائمة الطويلة للمخدرات المتداولة عالمياً أو محلياً، ومن ثم تتكون شبكة من المنتجين والمهربين والموزعين وشبكات مساندة ودعم أخرى تقابلها سياسات وإجراءات أمنية ووقائية وعلاجية بناءً على احتياجات سوق المتعاطين لذلك المخدر "عالم كبير ربنا يكفيك شره".
يبدو الأمر مختلفاً بالكامل فيما يخص مخدر الشابو "الأيس"، والذي بزغ نجمه قوياً بصورة أغشت الأبصار، وكبر سريعاً حتى صار عملاقاً دون فترة كمون، ولا أظن أن هناك مخدراً سابقاً يناظره في الخمسين عاماً الماضية على الأقل -في بيئتنا المحلية- في هذا المنحنى التصاعدي سوى الصعود الدراماتيكي لعقار "الترامادول" في بدايات القرن الحالي، وإن كنت أظن أن الشابو مرشح وبقوة لتجاوز قفزات صعود الترامادول بمراحل، وعندي من الشواهد والأدلة ما يعزز هذا الظن -محلياً وعالمياً- وربنا يستر....
في عام 2020، صدر التقرير السنوي لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، وكانت أبرز الأرقام الصادمة فيه أن هناك ما يقرب من 27 مليون بني آدم تعاطوا -دون دواعٍ طبية- أدوية أو عقاقير أو مواد تحتوي على الأمفيتامينات، ومنها بالطبع مخدر الشابو "وبالمناسبة ربع هذا العدد كان في أمريكا الشمالية فقط". المذهل والمرعب في الأمر أنه وبعد عامين -أي في 2022- أشارت نفس المؤسسة في تقريرها السنوي إلى ارتفاع عدد المتعاطين إلى 34 مليوناً "بزيادة 26% تقريباً"، ولكم أن تقارنوا بين الرقمين السابقين لتتخيلوا رحلة الصعود الرهيبة خلال عامين فقط "بالمناسبة كان ذلك أثناء جائحة كورونا والتي أشرت إليها سابقاً في مقالي الأول عن أسباب صعود ظاهرة المخدرات التخليقية". وفي نفس الاتجاه أظهرت دراسة أمريكية صدرت العام الحالي "2026" أن قرابة 15 مليون شخص داخل أمريكا وحدها قد أقدموا على استعمال مخدر الشابو -لمرة واحدة على الأقل-، وأن حالات الوفاة الناشئة عن الاستعمال المفرط "الأوفردوز" تضاعفت لأكثر من 7 مرات دفعة واحدة مقارنة بالأعوام السابقة "أرقام رهيبة ومرعبة!!".
وفي بلادنا العربية، ورغم الاختلافات الثقافية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية، ورغم شح المعلومات لاعتبارات يضيق المجال عن ذكرها، فلسنا بمعزل عن هذا الوباء العالمي -إلى حد ما-؛ فمثلاً مصر "أم الدنيا" شهدت تحولاً دراماتيكياً لأعداد كبيرة من المتعاطين للمخدرات التقليدية "الحشيش/ الأفيونات" باتجاه المخدرات التخليقية كالشابو والاستروكس والفودو، وبخاصة بين الشباب والمراهقين، وذلك على عهدة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان في مصر، وأيضاً شهدت مدينة جدة السعودية تضاعف حالات الوفاة الناشئة عن الاستعمال المفرط "الأوفردوز" لمخدر الشابو بنسبة تجاوزت 500% بين عامي 2016 – 2018 "اللهم احفظنا".
إلى هنا انتهى الجزء الثاني من سلسلة مقالاتي عن المخدرات والإدمان في مصر بعنوان مخدر الشابو "الأيس": إني أغرق... أغرق... أغرق! ... مسارات الصعود والانتشار، وصورة عن قرب لمعدلات الانتشار عالمياً ومحلياً من واقع الدراسات العلمية والتقارير الرسمية للمراكز والمؤسسات ذات الصلة.
في الجزء الثالث سأتحدث عن الأثر المباشر (المدمر) على متعاطي الشابو طبياً واقتصادياً واجتماعياً، ولماذا أصبح هذا المخدر الخطير آسراً للأجساد والعقول والأفئدة، وكيف يخدع ضحاياه ليسقطوا في براثنه ومن المرة الأولى ومن دون أدنى مقاومة، وسأتطرق إلى المآلات والعواقب المتوقع حدوثها على الفرد والأسرة، والمجتمع عامة، وهي بالمناسبة فريدة وصادمة في كل تفاصيله... سأحاول من خلاله تشريح الموقف الحالي والنظر بعين الواقع مرة والراجي في رحمة الله مرات ومرات لينجينا وينجي أحبابنا وأبنائنا من الغرق... من الضياع... من الموت... إلى اللقاء.
واقرأ أيضًا:
توهم المرض: اضطراب قلق المرض / إدمان الكبتاجون / إرادة الإنسان في علاج الإدمان
