منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والساحة العربية تعج بالمصطلحات، التي تتلقفها النخب وتبدد طاقاتها في الإمعان بسبر أغوارها، وهي تثرد حول صحونها ولا تستطيع تمثلها والتعبير العلمي الواقعي عنها.
فساحتنا المعرفية تزدحم بالمصطلحات التي نتلقفها كالجياع لكنها تأكلنا ولا نستطيع قضمها. القرن التاسع عشر ضم عددا منها، وتفاقمت أعدادها في القرن العشرين، ولا تزال فاعلة في حياتنا ومؤثرة في سلوكنا.
وكلنا يعرف مصطلحات (النكسة، الهزيمة، والنكبة) وأخواتها التي فعلت ما فعلت بعقولنا ونفوسنا على مدى عقود، ولا (يزال الحبل على الجرار)، فبين آونة وأخرى، تبرز مصطلحات، وكلها تشترك بإلهائنا وإغوائنا واستنزاف طاقاتنا، وإخراجنا من سكة تقرير مصيرنا وبناء حياتنا، وتؤكد لنا بأنها "عفطة عنز"!!
ومن الأمثلة الأخرى الإقطاع الذي بموجب فهمنا له قضينا على الزراعة، فتحول الإصلاح الزراعي إلى تدمير زراعي، بينما الإقطاعي كان يدير شركة زراعية ذات استثمارات اقتصادية تحقق الأمن الغذائي لأبناء الأمة.
وتجدنا أمام مصطلح "الجندر"، الذي انتشر في واقع الأمة، وبدأ توظيفه السياسي والديني والإلهائي، وانغمس في تناوله العديد من الكتاب والرموز بأنواعها. وتبدو الأمة وكأنها بلا تراث وتأريخ، ولا قيم ولا أخلاق، ومعايير وآليات سلوكية توارثتها الأجيال.
مصطلحات والأصوب أن تسمى مصطلخات حيث تصطلخ فيها الناس وتنطبخ وتتحول إلى هريسة أو قيمة، و"الطايح رايح" في دنيا المذابح، التي تقرب إلى رب هذا وذاك من أدعياء الدين والمتاجرين بأرواح المغفلين!!
ولن تنتهي قوافل المصطلحات ما دمنا نهلل لها ونرقص على أنغامها، ونبيع بها ذاتنا وموضوعنا ونهرول مع المضللين.
رؤوسٌ في محافلهم تماهتْ
أصابوها بأوبئةٍ فخابتْ
علينا كل مصطلحٍ تداعى
وما بصرتْ نواهينا فحارتْ
تعللنا النوازلُ بانْكسارٍ
وترمينا لهاويةٍ تطامتْ
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
العبثية الموجعة!! / حاربوا الفقر ولا تقدسوه!!
