"فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" الحج 28
"اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر" حديث نبوي
"الفقر الموت الأكبر" كما يقول الإمام علي (ع).
الفقر الذي كاد أن يكون كفرا، يتغلغل في النفس البشرية فيعذبها ويحرقها في جحيم العوز الحرمان، الأليم اللئيم الذي يزأر في أعماق الفقراء كأنه وحش فتاك، هذا الفقر من واجبنا أن نحاربه بكلامنا وسواعدنا وعقولنا، ورحمتنا وكرمنا وزكاتنا وصدقاتنا ورأفتنا وحبنا، وديننا وعقيدتنا وإرادتنا وعزيمتنا وكل ما فينا من طاقات ممكنة، لقهره وتحرير البشر من سجونه وتخليصهم من براثن بطشه وعذابه.
الفقر عدونا الأكبر وعلينا أن نجاهد ضده ونقضي عليه. الفقر القابع في أرضنا التي نقول عنها أرض خير وماء ونفط وعتبات مقدسة وفيها ما لا ينتهي من الموارد الوفيرة الفائضة. الفقر علينا أن نقف إزاءه وقفة إنسانٍ واحد.
إن الفقر عدونا، فهيا بنا إلى محاربة هذا العدو الفتاك، وعلينا أن نساهم في مسح دموعنا وزرع الفرح في الوجوه، والمحبة في القلوب وأن نرتقي إلى جوهر الدين والعقيدة ونكون عباد الله إخوانا.
أ يرضى الله أن ننام ومن حولنا جياع ومعوزين وأطفال تبكي وأيتام تعاني وتريد، فانظروا ما أنتم فيه من أسباب الهلاك واستثمارات للفقر والموت والخراب، وتأملوا محاربة الفقر عدونا الأكبر المتوحش الشرس الذي يأكل البشر ويحصدهم حصدا.
فهيا إلى إطعام الجياع وبث الفرح في نفوس الناس، فإلى متى يبقى الإنسان مسجونا في فقره وضنك عيشه، ومعاناته اليومية من أجل سد رمقه ورمق أطفاله. إلى متى يبقى يركض وراء لوازم يومه من طعام وشراب ووقود لمدفأته وسيارته. إلى متى يبقى على تل العناء وشظف العيش؟
إن الأمم التي تحارب الفقر هي الأمم المتطورة، وفي الصين يتفاخرون بحربهم على الفقر وإنقاذ الملايين من قبضته كل عام.
فما أحوجنا إلى حملة جادة صادقة لإنقاذ الناس من الفقر وانتشالهم من مستنقعاته وويلاته. وعلينا أن نفتخر بإنقاذنا كذا عائلة من فقرها وإطلاق أبنائها لكي يكونوا سواعد حية في بناء البلد وتطويره والانتقال به إلى مصاف الدول المتقدمة.
نعم إن من أهم واجباتنا اليوم أفرادا وجماعات وعلى مختلف المستويات هو محاربة الفقر. حربنا على الفقر هي التي ستقضي على غياب الأمن والقلاقل والاضطرابات.
إن الإرادة الجماعية في مواجهة الفقر وطرده من أرضنا هي التي ستشيع الأمان وتسعدنا، أما غيرها فأنها لن تأتي بنفع وستزيد الآلام آلاما والفقر فقرا والأيتام أيتاما والثكالى ثكالى والاضطراب اضطرابا.
مادام الفقر ثقيلا والحاجة أثقل فإن الحديث مع البشر في هذه الحالة النفسية حول أي موضوع لا يغني ولا ينفع، فالذي ينفع أن تعطيه ما يقضي على فقره ورزاءة حاله، وأن تخلصه من ضنك عيشه لكي يرى بوضوح ويقرر بمعرفة ووعي وعلم منه، وبملئ إرادته الواعية وليست الجائعة المأسورة بقيود الحاجات.
إن من الأخطاء القاتلة أن يتم توظيف الحاجات البشرية في السياسة وحكم الناس من أفواههم.
نعم ..إن التوجه لمحاربة الفقر هو الحل. فالفقر عدو وجودنا الأكبر، ومخربه الأول، ومدمره الأشرس، فلن يهدأ الوطن ما دام الفقر سائدا فيه وهو بلد الخير والثراء. فتبا للفقر والعوز والإملاق.
علينا أن نرفع شعار "لا فقير في الوطن" إن المجتمع قادر على تحقيق هذا الشعار، وفيه الإمكانات اللازمة لتحقيق الثراء الاجتماعي والتطور الفعال.
ألا يحق للمواطن أن يسكن في مسكن لائق به.
ألا يحق له أن يقود سيارة مثل البشر.
ألا يحق له أن يلبس الملابس الجديدة ويأكل الأكلات الجيدة.
ألا يحق له أن يتمتع بمائه ونفطه وخيراته الأخرى.
ألا يحق له أن يعيش بدعة وطمأنينة ويسر.
ألا يكفي هذا البلاء وهذا الشرر.
هيا بنا لنعلنها حربا لا هوادة فيها على الفقر، بالجد والاجتهاد والعمل وفتح أبواب المستقبل مشرعة أمام الناس، لكي يعيشوا ويذوقوا طعم الحياة كغيرهم في البلاد المتطورة. أطعموا الجياع وطاردوا الفقر أينما حل، فلا يجب أن يكون للفقر مكانا في بلادنا. وإلا أتريدونا أن نبقى نردد:
"نامي جياع الشعب نامي حرستك آلهة الطعام"
بل علينا أن نقول:
ثوري جياع الشعب ثوري وتجاوزي عوز الطعام
وحاربي فقرا شديدا وتخيري فرح الأنام
وتجددي...
لا تشربي من بركة الآلام.
إن أعظم إنجاز مطلوب تحقيقه في بلداننا هو القضاء على الفقر، وبناء نظام للرعاية الاجتماعية والصحية الشاملة الذي يكفل حقوق المحتاجين، ويوفر لكل مواطن حياة حرة كريمة وسكن صحي حديث، لكي يستعيد الإنسان كرامته وعزته وشعوره بقيمة وإنتمائه إلى وطنه.
فتبا للفقر ومرحبا بالغنى والرفاه والسعادة والانطلاق الواعد الرشيد في دروب الحياة.
ومن سار على الدرب وصل. ومن زرع حصد. وتلك بديهيات الصيرورة والتقدم والعلاء.
يا فقيرا أطرد الفقر وغني
بعد هذا اليوم لا فقرا أرى.
فتمتع ببلادٍ تزدهي
وتنعم بحياة الأمل
ليس وهما ما تفدم بل حقيقة تبدو واضحة للعيان ولا بد من الوصول إليها، فما دام المواطن يرى ويقول ويبدي برأيه، فإن الحياة ستستقيم برغم المرارات والعثرات والخطوب.
هذا ليس تغريدا خارج السرب وإنما توجه إلى جوهر المأساة والآلام والمصائب، وهذا الجوهر يتفاعل مع عوامل أخرى مؤثرة لصناعة المأساة الدامية.
إن البشرية تنسى هذا العدو الكاسر وتلهو بغيره، لكي تزداد مساحات الفقر ويكثر عدد الجياع في الأرض. ولم تساهم البشرية بجدية في محاربة الفقر، بل أنها إجتهدت في حروب من أجل أن تخلف المزيد من الفقراء والجياع والمرضى والمعوقين بدنيا ونفسيا، فلو حاربت البشرية هذا المارق الفتاك لحققت سعادتها ونأت عن الحروب، وشعرت بنشوة تحقيق النصر على آفة الفقر والآلام.
إن جوهر الزكاة في الإسلام هو لمحاربة الفقر ومعالجة هذه المشكلة الاجتماعية بإقرار حق الآخرين المحتاجين، لأن كل غني يثرى على حساب آخر يفقر، وما لدى الأغنياء فيه حق للفقراء.
يقول الإمام علي : "إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتع به غني".
ونحن مسلمون ونتبع هدى الأئمة والصالحين، نقول ذلك بأعلى أصواتنا وعلينا أن نوثقه بأفعالنا، لأن الدين العمل، وإن لكل قول امتحان ولكل عمل أجر، والبينة على من ادعى.
فكونوا عباد الله إخوانا، وليساند الأخ أخاه ويدفع عنه غائلة الفقر والجوع، ويساهم في إسعاده وتخفيف همومه وغسل آلامه وأحزانه بفيض الرحمة والألفة والحنان.
جراح الفقر تؤذينا
وفقر النفس يدمينا
فحارب فقرها العاتي
وقارب من أمانينا
وهكذا يجب أن يتساءل كل شخص عن كيف يتخلص من الفقر وعليه أن يبحث عن الجواب. وبتفاعل الآراء والأجوبة والمقترحات، ستولد خطة عملية تقضي على الفقر المقيت، وتخلصنا من المارد الذي ألحق الضرر بالمجتمع ومضى قيدا ثقيلا في سواعد الأجيال.
د-صادق السامرائي
26\8\2011
واقرأ أيضا:
أمة بلا دستور تخور!! / العبثية الموجعة!!
