نُربَّى منذ الصغر على تجنُّب الأخطاء، كأنها وصمة لا تُغتفر، وكأن النجاح طريق مستقيم لا تعرجات فيه!
«فكّر قبل أن تُقدم»... «لا تتسرع»... «اتبع الطريق الآمن»...
كلمات نسمعها باستمرار من الصغر، حتى نكبر فنجد أنفسنا أمام سؤال لم يعلمنا أحد كيف نواجهه:
ماذا عن الأخطاء التي لم نرتكبها؟ وماذا عن تلك التي كان يجب أن نعيشها حتى نصبح أكثر فهمًا للحياة، وأكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصائبة لاحقًا؟
هل فاجأك السؤال؟
دعني أصدمك أكثر فأقول إن هنالك أخطاء تكون أشبه بجوازات سفر للنضج وتأشيرات دخول إلى فهم أعمق للحياة، تلك الأخطاء التي لم تكن نهاياتٍ مأساوية، بل بدايات جديدة لفهم أوسع، ولرؤية أوضح، وربما حتى لقصص أجمل!
كم مرة ترددنا في اتخاذ خطوة جريئة لأننا خشينا الوقوع في الخطأ، ثم أدركنا لاحقًا أن التردد نفسه كان هو الخطأ الحقيقي؟ ألا تعتقد مثلي أن الخوف من الفشل قد يكون هو الفشل الحقيقي، لأننا بذلك نحرم أنفسنا من فرصة التعلم والتطور، إذ، ويا للغرابة، فنحن غالبا لا نتعلم إلا من الأخطاء، صغيرها وكبيرها!
لا شيء أكثر إزعاجًا من تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الخطأ الذي تجنبته لم يكن يستحق كل هذا الهلع، فماذا لو كنت قد خاطرت؟ ماذا لو قلت ما كنت تريد قوله وجربت ما كنت تخشاه، أو اتخذت القرار الذي حذَّروك منه؟ إن الحقيقة مع الأسف هي أن البعض يعيش حياته وكأنه يحاول الخروج منها بأقل قدر ممكن من الأضرار، فيفاجأ في النهاية بأنه لم يعشها حقًا!
يمكنك أن تقرأ ألف كتاب عن القيادة، لكنك لن تتعلمها حتى تضيع في الطريق مرة أو مرتين، ويمكنك سماع مئات النصائح عن الحب، لكنك لن تفهمه حقًا حتى تعيشه، بأخطائه قبل نجاحاته، إذ إن هنالك أشياء لا يمكن فهمها إلا بالوقوع فيها، والانحناء تحت ثقلها، ثم النهوض منها أقوى مما سبق.
الحياة ليست اختبارًا نظريًا، بل تجربة عملية، والتجربة تعني الفشل أحيانًا، بل الفشل كثيرا، لكنها تعني أيضًا أنك تحاول، وأنك تتحرك، أي أنك تحاول كسر القالب الجاهز الذي وُضعتَ فيه لتكتشف ذاتك كما هي، لا كما يريدها الآخرون أن تكون!
قدرتنا على الخطأ ليست عيبًا أو خطأ مصنعيا، بل هي جزء من كوننا بشر، فلا أحد يخرج من هذه الحياة دون أن يتخذ قرارات خاطئة، لكن الفرق هو أن بعض الأخطاء تبني، وأخرى تهدم، والفرق هو أن من يخطئ ثم يتعلم سينمو، أما من يعيش في خوف دائم من الخطأ، فقد يكتشف في النهاية أن أكبر خطأ ارتكبه هو خوفه نفسه!
لذلك، في المرة القادمة التي تتردد فيها خوفًا من الخطأ، تذكَّر أن بعض الأخطاء ليست مجرد حوادث عابرة، بل محطات كان يجب أن تمر بها، لأن الطرق الأكثر أمانًا قد تكون في بعض الأحيان أكثرها جمودًا!
فماذا لو كان الخطأ الذي تخشاه الآن هو بالضبط ما تحتاج ارتكابه؟!!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
السنوات الأولى.... عمرٌ ندفع ثمنه لاحقاً! / الحياة من دون Manual!
