في كل مرة يجلس فيها أحدنا مع صديقه المقرب ويسأله بنبرة الحائر «ما رأيك، هل أترك هذا العمل؟»، يكون غالبا قد كتب استقالته في رأسه عشر مرات قبل أن يرفع سماعة الهاتف ويطلب لقاء صديقه، وحين تسأل إحداهن أختها بصوت مرتجف «هل أسامحه بعد كل ما فعل؟»، تكون قد سامحته فعلاً في قلبها أو قررت ألا تفعل، والسؤال عندها ليس سوى إعلان متأخر عن قرار مبكر، وحين يسألك أحدهم «هل أقبل هذا العرض؟» وهو يسرد مزاياه بحماس طفل يصف لعبته الجديدة ويذكر عيوبه بتكاسل من يؤدي واجباً مدرسياً مملاً، فأنت لا تحتاج لخبرة في لغة الجسد لتعرف أنه حسم أمره قبل أن ينطق بالسؤال!
نحن لا نسأل دائماً لأننا لا نعرف، فالإجابة موجودة في مكان ما بين ضلوعنا، لكننا نحب أن نتصرف وكأنها مختبئة في رؤوس الآخرين، فنجمع الآراء ونستشير الأصدقاء ونطلب النصيحة من كل من نصادفه، لا بحثاً عن الحقيقة بل بحثاً عمن يقول لنا ما نريد سماعه، وحين يأتي رأي يوافق هوانا نقول «أخيراً وجدت من يفهمني»، وحين يخالفنا أحدهم نقول «لو كان يعرف التفاصيل لاختلف رأيه»، وكأن الاستشارة كانت منذ البداية مسرحية محكمة الإخراج، نبحث فيها عن ممثل يؤدي الدور الذي كتبناه سلفاً، ولا نرضى عن أدائه إلا إذا قال النص كما هو دون محاولة تحسينه أو الخروج عليه!
لماذا نفعل ذلك؟ لماذا لا نكتفي بما نعرفه ونمضي في حال سبيلنا؟ ربما لأن القرار حين يكون داخل نفوسنا يبقى هشاً قابلاً للشك والتراجع، أما حين يخرج إلى الهواء الطلق ويسمعه شخص آخر ويومئ برأسه موافقاً، يتحول عندها من خاطرة مترددة إلى حقيقة أكثر صلابة وأقل وحشة، فنحن لا نحتاج رأياً بقدر ما نحتاج شاهداً، شخصاً يقف بجانبنا في قاعة المحكمة الداخلية ويقول «نعم، قراره صائب»، لأن اتخاذ القرار بمفردك يعني تحمّل مسؤوليته بمفردك، ومن ذا الذي يحب أن يخطئ وحده دون أن يكون هنالك من يتقاسم معه عبء الندم إن جاءت النتائج مخيّبة؟
هنالك سبب آخر لسلوكنا هذا قد يكون أعمق أثراً، فبعض القرارات التي نعرف صوابها نخشى ثمنها، ونعرف في أعماقنا أن الإجابة الصحيحة ستكلفنا شيئاً غالياً لا نملك الاستعداد لدفعه بعد، فمن يعرف أنه يجب أن يرحل عن علاقة تؤلمه يعرف أيضاً أن الرحيل سيتبعه فراغ مخيف وليالٍ طويلة من التساؤل والشك، ومن يعرف أن هذا العمل يستنزف روحه قبل جسده يعرف أن الاستقالة ستفتح باب المجهول على مصراعيه، فنلجأ لتأجيل تنفيذ ما نعرفه بأسئلة لا نحتاج إجاباتها، وكأن السؤال نفسه صار أداة للمماطلة الأنيقة، نشتري بها وقتاً إضافياً نقضيه في منطقة الراحة المؤلمة تلك، المنطقة التي نشتكي منها كل يوم لكننا نرفض مغادرتها، لأن ألمها المعروف أهون علينا من راحة مجهولة لا نعرف شكلها!
الطريف أحيانا هو أننا حين نستشير عشرة أشخاص، فنحن نعرف مسبقاً من سيؤيدنا ومن سيعارضنا، فنعرف أن فلاناً سيقول «اترك العمل فوراً» لأنه هو نفسه يكره عمله ويحلم بالمغادرة، ونعرف أن فلانة ستقول «تحمّل واصبر» لأنها تخاف التغيير بطبعها، ورغم ذلك نتصل بالاثنين، ثم نختار الرأي الذي كنا نخبئه في جيبنا أصلاً!
حين تجد نفسك يا صديقي تسأل سؤالاً وتشعر في أعماقك أنك تعرف جوابه، توقف لحظة واسأل نفسك السؤال الحقيقي الذي تتجنبه، ليس عما يجب أن تفعله، بل عن ذلك الشيء الذي يمنعك أو يجعلك تتردد من فعل ما تعرف أنه صواب، لأن المشكلة في الغالب ليست في غياب الإجابة، بل في ثقل حضورها، ذلك الثقل الذي نحتاج لمن يساعدنا على حمله، وعنده ستدرك أن كل تلك الاستشارات والمكالمات والجلسات لم تكن بحثاً عن إجابة ضائعة، بل استئذاناً من العالم لنكون أنفسنا، أو طلب من الآخرين ليتحملوا معنا... ثمن قراراتنا!
16/2/2026
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الأخطاء التي كان يجب أن نرتكبها! / ماذا فعل شمس التبريزي في مولانا؟
