هناك مقولة شائعة تقول: «أعطني أول سبع سنوات من حياة الطفل، وسأخبرك كيف سيكون مستقبله».
قد تبدو مبالغة للوهلة الأولى، لكنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة، فالسنوات الأولى في حياتنا ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي الأساس الذي يبنى عليه كل ما سيأتي بعدها.
نحن، شئنا أم أبينا، نقضي معظم أعمارنا ندفع ثمن ما حدث في تلك السنوات الأولى، بحلوها ومرها، بنجاحاتها وانكساراتها، فما يحدث في طفولتنا يظل معنا ولا يختفي بل يتحول إلى أنماط وردود أفعال ومخاوف خفية، وإلى أحلام نطاردها أو نهايات نخشاها.
معظم المشاكل التي نراها عند البالغين اليوم، كالقلق المزمن، وانعدام الثقة بالنفس، وصعوبة اتخاذ القرارات، وحتى الاضطرابات النفسية العميقة، ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لجروح قديمة، ولخبرات تشكلت حين كنا صغارًا، حين لم نكن نملك القوة لرفضها أو الوعي لفهمها.
ولعل أكثر ما نخشاه نحن كأطباء نفسيين هو ذلك المشهد المتكرر في العيادات النفسية، حين يأتي الآباء يشتكون من مشكلات أبنائهم البالغين وكأنها ظهرت فجأة، ويسألوننا بأسى: «كيف وصل ابني إلى هذه المرحلة؟»، «لماذا أصبح منطويًا؟ عنيفًا؟ فاقدًا للشغف؟». وكأنهم لم يكونوا يعيشون معهم طوال هذه السنوات، حيث نشعر أحيانًا وكأنهم استيقظوا فجأة ليجدوا أنفسهم أمام كوارث نفسية لم ينتبهوا لتشكلها على مدار السنين.
أن تهتم بتربية طفلك لا يعني فقط أن توفر له الطعام والتعليم والملابس، بل أن تمنحه بيئة آمنة، وأن تعلّمه كيف يعبّر عن نفسه من دون خوف، وتصغي إليه حتى في أكثر كلماته بساطة، وأن تشعره بحبك من دون شروط، وأن تعلّمه أن الحياة ليست بالضرورة صراعًا للبقاء، بل مساحة للنمو والازدهار.
فكر في الأمر قليلًا، لو أن كل طفل نشأ في بيئة صحية نفسياً وعاطفياً، كم عدد العيادات النفسية، ومنها عيادتي بالمناسبة!، التي ستُغلق أبوابها؟ كم عدد العلاقات الفاشلة التي كان يمكن إنقاذها؟ كم عدد الأشخاص الذين كانوا سيجدون أنفسهم بدلًا من أن يقضوا حياتهم في الهروب من ماضيهم؟
السنوات الأولى يا سادة ليست مجرد بداية... إنها عمر بأكمله مدفوع الأجر لاحقًا، فإما أن يكون ثمنه نجاحًا ونضجًا، أو ندوبًا نحاول ترميمها طوال الحياة!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
أنا... والقلق... ونتانياهو! / عندما لا يكون الأمر دائماً... عنك!
