حين أُعلنت نتائج الترقيات في ذلك الاجتماع، لاحظتُ كيف رسم زميلي ابتسامة سريعة وهزّ كتفيه قائلاً: «أنا أصلاً ما كنت مهتم»، ثم انصرف بخطوات تتظاهر بالثبات، لكن عينيه قالتا شيئاً مختلفاً تماماً، شيئاً يعرفه كل من اختبر ذلك الألم الصغير الذي نُغلّفه بغلاف الزهد ونُسمّيه زورا «قناعة»، ثم نمضي وكأن شيئاً لم يكن!
كم من ترقية ادّعينا أننا لا نسعى إليها لأننا نعرف في قرارة أنفسنا أنها لن تأتي، وكم من علاقة تظاهرنا بأنها لا تعنينا لأننا نخشى أن نبدو ضعفاء أو محتاجين إن اعترفنا برغبتنا فيها، وكم من حلم قديم أقنعنا أنفسنا بأنه كان مجرد نزوة شباب وطيش مراهقة، لأن الاعتراف بأننا لم نحققه يؤلم أكثر من التظاهر بأننا لم نرده أصلاً ولم يكن يوماً على قائمة أحلامنا!
هذه الآلية الدفاعية ذكية جداً في ظاهرها، فحين نُقنع أنفسنا بأننا لا نريد شيئاً فإننا نحمي قلوبنا من ألم الخيبة المحتملة، فلا أحد يخسر سباقاً لم يدخله ولا أحد يُرفض من وظيفة لم يتقدم إليها ولا أحد ينكسر قلبه من حب لم يعترف به يوماً، لذلك نبني حولنا سوراً عالياً من اللامبالاة المزيفة ونظن أننا بذلك في مأمن من الحياة وتقلباتها ومفاجآتها غير السارة!
لكن الثمن الذي ندفعه نتيجة إنكار رغباتنا قد يكون باهظا، ولعلنا لا ننتبه له إلا بعد فوات الأوان، فحين نتظاهر طويلاً بأننا لا نريد شيئاً نبدأ تدريجياً بفقدان القدرة على معرفة ما نريده فعلاً، فتختلط علينا رغباتنا الحقيقية بتلك التي أقنعنا أنفسنا بها، ونصبح غرباء عن أعماقنا وعن ذواتنا الحقيقية، فنعيش حياة مُصمّمة بعناية لتجنب الألم لا لتحقيق السعادة، ونكتشف بعد سنوات طويلة أننا نجحنا في حماية أنفسنا من الخيبة، لكننا فشلنا فشلاً ذريعاً في منح أنفسنا فرصة حقيقية للفرح!
الأكثر إرهاقاً هو أن هذا التظاهر المستمر يحتاج طاقة هائلة ومتجددة للاستمرار والديمومة، فنحن لا نكذب على الآخرين فحسب، بل نكذب على أنفسنا كل يوم وكل ساعة، فنُذكّر أنفسنا باستمرار بأننا لا نهتم ونبحث بجدّ عن أدلة وبراهين تؤكد أن ما فاتنا لم يكن يستحق العناء، ونبني قصصاً كاملة ومتقنة عن سعادتنا وقناعتنا بما نحن فيه، وكل هذا الجهد الجبار المبذول في الإنكار والتبرير كان يمكن أن يُصرف في السعي الصادق والجاد نحو ما نريد فعلاً!
الشجاعة الحقيقية ليست في التظاهر بالقوة والاكتفاء، بل في الاعتراف بالرغبة والحاجة، وأن نقول بصوت واضح «نعم، أريد هذا» حتى لو كان احتمال الحصول عليه ضعيفاً أو بعيداً، وأن نسمح لأنفسنا بالأمل حتى لو كان الأمل مؤلماً ومحفوفاً بالمخاطر أحياناً، وأن نعترف بأن هنالك أشياء تهمنا وأشخاصاً نريدهم في حياتنا وأحلاماً لم نتخلَّ عنها حقاً مهما ادّعينا عكس ذلك، لأن الاعتراف بالرغبة هو الخطوة الأولى نحو تحقيقها أو على الأقل نحو التصالح الصادق والناضج مع عدم تحقيقها!
نعم، قد نُخفق حين نعترف بما نريد، لكن الإخفاق الحقيقي هو أن نصل إلى نهاية الطريق ونكتشف أننا كنا نكذب على أنفسنا طوال الرحلة، وأن كل تلك اللامبالاة التي تفاخرنا بها لم تكن سوى حسرة... ارتدت قناع الحكمة!
11 فبراير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
حين يصبح الاعتذار... استفزازاً! / بوناصر... العطاء حتى في فصيلة الدم!
