المجتمعات القوية الفاعلة في الحياة تمتلك مفردات لغوية ثرية ومعاصرة، تساهم بتنمية قدراتها على استيعاب التطورات المتسارعة من حولها، ولا يمكن لمجتمع أن يتقدم من غير ثراء لغوي متواكب مع مستواه الحضاري. ولهذا نجد في المجتمعات المتألقة أن الفرد ومنذ طفولته المبكرة، قد امتلك مفردات لغته التي تعينه على التعبير عن أفكاره ومشاعره بمهارات واضحة، وقدرات مؤثرة في سلوكه والمحيط من حوله.
وفي عالمنا المعاصر هناك العديد من البرامج والمبتكرات، التي تساهم بتقوية المعرفة اللغوية وزيادة أرصدة مفرداتها في عقول الناس، وتثري ثقافتهم وتمدّهم بأدوات تكفي لصياغة الأفكار والتعبير عن التطلعات. كالكلمات المتقاطعة وملئ الفراغات ولُعب الكلمات وغيرها الكثير، مما يخطر ولا يخطر على البال من النشاطات التي تنمي الأرصدة اللغوية.
بينما نحن نتجاهل هذه المبتكرات التي تساهم في التقدم والارتقاء، ونغفل دور المفردة اللغوية وتأثيرها الجاد في تحفيز العقول، وتحقيق الإبداع الأصيل على جميع مستويات الحياة وأروقة التقدم والتطلع الإنساني. ولدينا كتاب واحد، أجدادنا فقهوا ما فيه من المفردات ومعانيها فاستحضروا أمهات الأفكار، التي شيّدت معالم حضارية ذات قيمة إنسانية وتأريخية. بينما نعيش في زمن نعرف فيه نسبة ضئيلة من مفردات القرآن، ونعجز عن تطوير المعاني وتجديد الكلمات لكي تكون ذات دور مؤثر ومعاصر.
بل نجنح عن اللغة ونهرب إلى لغة أجنبية أخرى، ولا نتمعن بالعربية وإظهار دورها وفعالياتها الإبداعية، وقدراتها الفائقة على المواكبة والنماء والابتكار، وهي المتفوقة على اللغات الأخرى بمفرداتها وأصواتها وتركيباتها، ونضوجها البلاغي والنحوي المتميز. فالكثير من اللغات لم تنضج بلاغيا ونحويا، لكنها تتفاعل بمعاصرة ونشاط مع ما يستجد من تغيرات وتطلعات إبداعية متسارعة.
والسبب الأساسي ليس باللغة العربية، وإنما في أبنائها الذين استهانوا بأنفسهم ودورهم الإنساني، وداسوا على لغتهم بأقدام الجهل والتداعي والامتهان، وأصبح الكثير منهم يخجل من نفسه عندما يتحدث بلغته، ويفضل الكلام بلغة أجنبية، لكي ينتمي إلى حلبة الحياة التي تتصارع فيها القدرات.
وفي زمن يحتاج فيه البشر الإبتعاد عمّا يضعه في خانات الأوصاف التي تبرر الهجوم الشرس والمدمر عليه واجتثاثه من الحياة، أصبحنا في زاوية ضيقة نحشر فيها لغتنا وما عندنا، وننظر إلى أحوالنا بعين السوء، ونستجلب الأفكار السيئة والحملات المتوحشة إلى ديارنا، لكي نحقق نداء هزيمتنا الداخلية ونقضي على وجودنا الصحيح.
وبسبب هذه الهزيمة الداخلية المريرة والعميقة، صرنا أعداء لغتنا، بإهمالنا لها وعدم إحترامنا لمفرداتها وكسلنا في تطوير أرصدتها، مما وفر الأسباب اللازمة لضعف تعبيرنا وخمول تفكيرنا وتنامي انفعالاتنا واستعار غضبنا، الذي يتم توظيفه لتدميرنا والقضاء علينا.
وفي هذا الوقت الحضاري العصيب أصبح من أولويات البقاء والتواصل الإنساني، العودة إلى المفردة وتعميق المعرفة اللغوية، لكي نستعيد شخصيتنا ودورنا، ونتخلص من أفكار اليأس ورموز الذل والهوان، ونتعلم كيف نضع أفكارنا في كلمات معبّرة عن الفعل والجد والاجتهاد والإبداع المتميز.
فمن القوة والتقدم أن نتمسك بلغتنا ونتباهى بقدراتنا اللغوية، وبما نعرفه من مفردات ضرورية للتفاعل مع مستجدات العصر، وأن نبني مخزونا لغويا وفيرا عند أطفالنا يساعدهم على هضم الجديد واستيعابه وتمثله، لكي يحققوا دورهم وإضافاتهم المتميزة.
وكلما تعلمنا مفردة لغوية ازددنا قوةً ووعيا، وتمكّنا من التعبير الأفضل عن أفكارنا ومشاعرنا والتفاعل المنير بعقولنا، وبهذا نتحرر ونتقدم ونمتلك إرادتنا فنكون.
فاللغة العربية هويتنا، وبضعف لغة الإنسان وعجزه عن التعبير عن أفكاره ومشاعره بها، تكون أمته قد فقدت أهم ملامح وسمات شخصيتها، وطمست دورها وأنكرت تأريخها وإندحرت في آبار ذاتها المظلمة وكهوف هزائمها المتفاقمة، وهي تقف كالمسمار تنتظر أن تسقط على رأسها مطرقة الفناء التي تحملها أذرع الطامعين بها.
رؤوسٌ في عناصرها نضوبُ
ومفردةٌ تولاها الهروب
وأفكارٌ بلا أمل ابتصارٍ
يكسحها التجاهل والشحوب
إذا جفت منابع مرتقانا
لسان وجودنا فيها العضوب
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
الأكاديمية والواقعية!! / خزنوا ماء المطر!!
