كادت حياتي أن تُزهق بسبب التحرش.
تعرضتُ للتحرش على جسر للمشاة. عندما رأيتُ أنني وحدي هناك، شعرتُ بالخوف وانحرفتُ جانبًا تمامًا لأفسح المجال لهذا الشخص للعبور. كان يمشي بشكل طبيعي، وفجأة فاجأني وتحرش بي. صرختُ، فهرب. الحاجز قصير جدًا؛ لو تحركتُ قليلًا، لسقطتُ من الجسر على الطريق السريع. أحمد الله كثيرًا أن هذا لم يحدث.
بعد ذلك، انهرتُ بالطبع، وبكيتُ، وكنتُ في حالة صدمة. كنتُ معتادة على التعليقات والنظرات وحتى الملاحقة، لكن هذه المرة شعرتُ أن أحدهم انتهك خصوصيتي وتجاوز حدودي، وكاد أن يودي بحياتي.
قبل أن يلومني أحد، كانت ملابسي فضفاضة وطويلة، ولم أكن أضع أي مكياج، وكنتُ أنظر إلى الأرض، وكنتُ ألتزم بجميع القواعد. وقبل أن... "أخبروني أن أقدم بلاغًا، لا توجد كاميرا واحدة على الجسر." حتى الأشخاص الذين يصعدون أو ينزلون الدرج لم يكونوا موجودين لأن الظلام كان حالكًا، وهذا لم يكن مهمًا بالنسبة لي.
منذ ذلك اليوم، في كل مرة يمر فيها شخص ما أو يقترب مني، أشعر بلحظات من الرعب. يتسارع نبض قلبي، ويؤلمني بطني. لم يعد هذا يحدث في ذلك الشارع فقط؛ بل يحدث في كل مكان. أنا خائفة من كل شيء. ومع حوادث التحرش التي تحدث كل يوم، في كل مرة أقرأ فيها تعليقات تلوم أو تنتقد فتاة، آخذ الأمر على محمل شخصي. كل إهانة، كل اتهام... يفسره عقلي على أنه موجه إليّ.
تغيرت أشياء كثيرة بداخلي. أشعر بمشاعر كثيرة، لا يمكنني كتابتها كلها. كل ما أريده هو أن يفهمني أحدهم ويقدرني.
علقت إحدى صديقاتي قائلة "حاولي أن تتعلمي كيف تدافعي عن نفسك. أنتِ في مصر... التحرش أمر شائع. معظم الفتيات مررن به وسيستمررن في المرور به." لقد آلمني ذلك التعليق بشدة، رغم أنه صحيح ودقيق، لكنني لا أعرف... لماذا آلمني كل هذا الألم حين قيل لي وجهاً لوجه؟ مع كل ما يحدث، أشعر أنني لا أستطيع العيش بسلام، أو أن أجد الاحترام، أو حتى مجرد مراعاة بسيطة. لماذا عليّ أن أتعلم الدفاع عن نفسي؟ وماذا كان سيحدث لو دافعت عن نفسي؟ أفكار كثيرة تدور في داخلي منذ مدة طويلة.
وقبل أن تقولوا إنني بحاجة إلى علاج نفسي، فأنا أعرف وأدرك حجم الصدمة التي مررت بها، وتأثيرها عليّ، والمساعدة التي يمكن أن يقدمها العلاج.
لستُ أنتظر سماع ذلك. أنا أكتب فقط ليصغي إليّ أحدهم، ويفهم مشاعري، ويقدرها، ولو كان شخصاً واحداً.
11/03/2026
رد المستشار
أهلا يا "نادية" قرأت رسالتك وشعرت بكم المعاناة التي تشعرين بها والظلم الذي تحسينه واقعا عليك، ومن الواضح أنك شخص رقيق وحساس للغاية وقد أثرت فيه هذه التجربة القاسية بشكل كبير، ولكننا يجب أن نتذكر يا "نادية" أن الحياة مكان غير عادل وغير متوقع بشكل كامل.
إن عقلك الباطن يعترض بشدة على ما حدث عن طريق الصدمة التي تمرين بها والأعراض التي تشعرين بها كلما عرض لك ما يذكرك بالحادثة ولو من بعيد، كما أنه قد يسبب لك بعض الأعراض الانتقامية كما لو كان يعاقبك أنت على ما حدث كأن يسبب لك الاكتئاب أو التوتر أو المغص، وكأنه يعاقب الضحية لأنه لا يستطيع معاقبة الجاني، ويجب أن تأخذي أنت بيد هذا العقل الباطن - الذي هو بمثابة طفلة صغيرة تعيش داخلك ولا تدرك بعد قوانين الحياة القاسية - يجب أن تأخذي بيده ليفهم أن المعاناة والألم هي جزء لا يتجزأ من هذه الحياة لا يمكن منعه بالكامل، ولا نملك نحن بضعفنا البشري إلا أن نحاول تجنبه بالطرق العقلانية البسيطة والممكنة بقدر الإمكان، كأن نتجنب التواجد في أماكن مظلمة مثلا.
ولكننا لا يجب أن نلوم أنفسنا إن حدث لنا مكروه لأننا ببساطة لا نستطيع منع الأشياء السيئة من الحدوث بشكل كامل، كما يجب أن نتعلم أن معاقبة أنفسنا بالاكتئاب والهلع لن تفيد في منع هذه الأشياء من الحدوث، ومن المفيد أيضا أن نتذكر أن الحياة وإن لم تكن عادلة فإن خالقها سبحانه وتعالى هو الحكم العدل، وقد خصص سبحانه عالما كاملا غير هذ االعالم ليعوض المظلوم ويمسح على جرحه ويأخذ له حقه ممن ظلمه في الدنيا ويجازي كل نفس بما كسبت، فلنرفع شكوانا إليه سبحانه ثم فلنستكمل حياتنا ونتجاوز ما حدث وكأنه لم يحدث واثقين من عدله سبحانه وتعويضه لنا عما أصابنا في الدنيا والآخرة.
أتمنى أن أطمئن عليك قريبا وقد تعافيت من هذه الصدمة.
واقرئي أيضًا:
ذكريات التحرش.. إلى متى تدوم؟
هل هي مبسوطة بالتحرش؟
لا أتقبل الجنس الآخر بعد التحرش
كيف تقين نفسك من التحرش الجنسي(1-2)
التحرش الجنسي والبقعة العمياء
التحرش الجنسي في مصر بين المجتمع والدولة