السلام عليكم
نشأتُ على الاعتقاد بأن الأخلاق والأدب واحترام الآخرين هي المقياس الحقيقي للشخص. لطالما حاولتُ أن أكون الشخص "الصحيح"، الشخص الذي يلتزم الصمت، ويحترم الحدود، ويتصرف بشهامة ونزاهة. لكن الواقع يصفعك يوميًا بمعايير مختلفة تمامًا...
أدركتُ أننا نعيش في زمن يُكافئ "الفتى الشرير"؛ الشخص الذي يأخذ القانون بيده، صاحب اللسان السليط، الذي لا يُراعي مشاعر أحد، والذي لا يتعدى أفعاله التباهي والسيطرة. والغريب أن هذا النوع هو الذي يجد القبول، الذي يُثير إعجاب الناس! المشكلة ليست في المجتمع فحسب، بل في الرفض أيضًا.
لقد سئمتُ من رفض الفتيات لي لأسباب تافهة، على أقل تقدير. عندما تكون مهذبًا ولطيفًا، يتم تصنيفك فورًا على أنك... "آمن" أو "ممل"، أو الأسوأ من ذلك، يستغلون طيبتك. يعتبرونها "ضعف" أو قلة خبرة في الحياة.
لماذا عليّ أن أكون "سامًا" لأحظى بالتقدير؟ لماذا أصبحت الأخلاق سلعة رخيصة في سوق العلاقات؟
لماذا يُعاني الشخص "المحترم" ليجد من يُقدّر قيمته الحقيقية دون محاولة تغييره أو استغلاله؟
لا أريد أن أصبح شخصًا آخر، ولا أريد التخلي عن مبادئي، لكن بصراحة، الشعور "بالظلم" وانتهاك حقوقك لمجرد كونك محترمًا أمرٌ مُرٌ للغاية. لا أطلب المستحيل، كل ما أطلبه هو ألا يدفع "الرجل الطيب" ثمن طيبته بالوحدة والرفض.
أريد أن أسمع منكم... هل المجاملة حقًا "عائق" وليست ميزة في هذا العصر؟ وكيف يمكن للمرء أن يوازن بين أن يبقى "ولدًا صالحًا" وألا يصبح "ضحية" للمعايير السطحية المحيطة بنا؟
لقد رُفضتُ مراتٍ عديدة، لسببٍ ما أو بدون سببٍ على الإطلاق.
19/4/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بك بشمهندس، ونرجو أن نكون عونا لك، سأبدأ معك بفكرة أن "الولد الطيب يخسر دائمًا والولد السيء يفوز" مبالغ فيها، فالمشكلة ليست في "الطيبة" نفسها، بل في كيف تُترجم هذه الطيبة سلوكيًا، ولو حاولنا أن نحلل الموضوع من جوانب مختلفة ونبدأ بلماذا يبدو "الشرير" جذابًا؟ سنجد أن وجود الجاذبية المرتبطة بالثقة بالنفس وليس بالوقاحة، فالشخص الجرئ أو المتمرد غالبًا يظهر أنه حاسم وغير محتاج لموافقة الآخرين وواضح في رغباته، وهنا يقرأ العقل العاطفي هذا كسمات للقوة وتحديد الأهداف، بينما الشخص اللطيف جدًا أحيانًا يظهر أنه متردد، ويخاف من الرفض، ويبالغ في إرضاء الآخرين وهذا يُقرأ لا شعوريًا أن هذا الشخص قد لا يقود العلاقة.
الخلاصة أن الناس لا تنجذب للوقاحة، بل تنجذب لما خلفها (الثقة والحسم).
كما نجد أن بعض الأشخاص (خصوصًا في بدايات العلاقات) ينجذبون لما هو غير مضمون وبه غموض ويحتاج جهدًا في الحصول علية، فالشخص اللطيف جدًا يعطي اهتمام سريع، وقبول غير مشروط ووضوح كامل وهذا يُفقد العلاقة عنصر الإثارة والتحدي .
بعض الأشخاص يعطون قيمة لكل ما يحتاج إلى جهد في الحصول عليه ويقدرونه أكثر، فما يحصلون عليه بسهولة يُؤخذ كأمر مفروغ منه، فلو كنت دائما متاحًا ولطيفًا دائمًا سيتم تفسيرك كخيار مضمون وليس مميزًا.
ولو بحثنا عن الخطأ الحقيقي سنجد أنه ليس في الطيبة بل في بعض سلوكياتك كاللطف المُفرِط حيث تقول نعم دائمًا وتتجنب المواجهة وتخاف أن تُغضب الطرف الآخر وتعطي بدون مقابل وتتسامح أكثر من اللازم ولا تضع خطوطًا حمراء، وتخفي رغباتك فلا يُعبّر بوضوح عن اهتماماتك، وتخاف أن تبدو جريئًا وينتظر أن يتم اختيارك بدلا من أن تختار.
ونأتي للسؤال التالي هل فعلاً المجتمع يكافئ السامين؟ سنجد أنه جزئيًا نعم لكن لفترة قصيرة فقط. فالعلاقات تمر بمرحلتين:
مرحلة الجذب Attraction وهنا قد ينجح الجريء والغامض وغير المتوقع.
ومرحلة الاستقرار Stability وهنا يفشل السام غالبًا، وينجح المحترم والمستقر والناضج.
فالمفارقة أن الرجل السيء يُعجب به بسرعة بينما الرجل الناضج يُختار للاستمرار والاستقرار.
المشكلة أنك شخص جيد لكن لا تُشعِر الآخر بقيمتك، فالاحترام بدون حضور قوي، وشخصية واضحة وحدود ثابتة يتحول في نظر البعض إلى لطيف لكن ليس بجذاب.
تحتاج يا صديقي إلى أن تتوازن بدون أن تتحول لشخص سام بأن تكون طيبًا لكن ليس متاحًا دائمًا، فلا ترد فورًا دائمًا، ولا تعطي كل شيء من البداية، وضع حدودًا واضحة (تعلم أن تقول لا بسهولة عندما لا تريد شيئا ولا تقبل التقليل أو الاستغلال)، عبّر عن رغبتك بوضوح (لا تستخدم أنا هنا لو حبيتِ نتكلم، بل استخدم أنا مهتم أتعرف عليك أكثر)، طوّر من هيئتك الهادئة (كن أكثر ثقة وقلل التبرير وكن واضح القرار وابتعد عن الصوت العالي بل استخدام صوتا مرتفعا متنوعا ومسموعا بثقة)، توقف عن محاولة إقناع من لا يراك فالرفض لا يعني أنك أقل قيمة بل أنك غير مناسب لهذا الشخص (ابتعد هنا عن الإصرار ومحاولة إثبات نفسك وأخذ الرفض بشكل شخصي)، أعد صياغة فكرة العالم يكافئ السيئين إلى العالم يكافئ الواضحين، الأقوياء، وغير المحتاجين للموافقة بغض النظر عن أخلاقهم.
عزيزي الجاذبية سلوك يمكن اكتسابه من خلال بعض المهارات الاجتماعية لو تدربت عليها، فأنت لا تحتاج أن تصبح سيئًا لكن تحتاج أن تتوقف عن أن تكون طيبًا بطريقة تُفهم أنها ضعف، فالطيب القوي يُحترم ومرغَوب بينما الطيب الضعيف يُستَخدم ويتم تجاوَزه.
وفقك الله وتابعنا.
واقرئي أيضًا:
كيف تؤكد ذاتك؟
كيف تغزو الآخرين وتؤثر فيهم؟
كيف تكون انطباعا ممتازا ومبهراً؟