السلام عليكم
أنا شاب 24 سنة أتمنى أن أجد شخصاً واحداً من وسط المليارات الذين في العالم يختار أن يمشي معي ولو ساعتين في الأسبوع، ولا أقصد الارتباط ولكنني أقصد الونس بشخص بوجه عام، آخر صديق لي كان في الصف الثاني الثانوي وتخاصمنا وحاولت أن أصالحه مع أنه هو من كان مخطئاً في البداية، ولكنني حاولت لأنني لا أحب الوحدة ولكنه لم يرضَ.
ومنذ ذلك الوقت لم أعرف أبداً كيف أكون صداقات نتونس بها ببعضنا، عندما دخلت الكلية حاولت أن أصادق عدة مرات ولم أعرف، يعني اثنين مثلاً؛ واحد كنا نذهب معاً إلى الجيم منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك عندما جاء ليخطب لم يعزمني، وعندما يخرج ليتنزه يخبر غيري، وواحد آخر في الكلية نجلس معاً نتحدث بالأربع ساعات مثلاً، ولكن كلما جئت لأقترب أكثر أجده لا يريد بطريقة تكرهني في أنني طلبت ذلك.
أما الفتيات والارتباط فأنا ليس لدي شيء أقدمه لفتاة لكي توافق على الارتباط بي؛ أنا شكلي سيء وليس معي مال، أنا لست معقداً أنا مقتنع أنه يوماً ما سأكون قادراً على فتح بيت ومناسباً للزواج التقليدي، أما حب وارتباط فلا أعتقد، ولكن هذا سيكون متى؟ لا يزال الوقت مبكراً جداً، أنا في السنة الخامسة بكلية الطب وسأتخرج هذا العام، ولكن أمامي سنتان امتياز ومثلهما جيش وبعدها أبدأ في تأسيس نفسي.
يعني حوالي خمس سنوات؟ هل سأعيشها كلها بمفردي في هذه الدوامة؟ أنا سئمت من غرفتي وسئمت من الخروج والمشي بمفردي، وحتى العائلة لا أحد منهم مهتم بأن يراني كما أنا؟ أبي وأمي يريانني ابنهما الكبير؛ السند لإخوته والذي لا يخطئ، وحرفياً أقل غلطة أُحاسب عليها وكأنني كفرت، وأخي الصغير حاولت كثيراً أن أصادقه ولكنه عقليته مختلفة عني، وعندما أحاول أن أنزل إلى عقليته حتى، يراني أخاه الكبير الذي لا يصح أن يفعل هذه الأشياء.
والله سئمت وتعبت وبلغت آخري، ومنذ فترة وأنا مستغرق مع فيديوهات "كيف تستمتع بالحياة بمفردك" و"كيف أن الرحلة فردية" وما شابه ذلك،
وأيضاً لا أعرف كيف أستمتع بأي شيء أفعله.
4/6/2026
رد المستشار
أيها الطبيب الذي يعاني، أهلا وسهلا بك على موقعنا ونرجو أن نكون عونا لك، لكن قبل أن أسترسل في الرد أنوه إلى ملحوظة تكررت كثيرا بين طلاب الطب والتمريض فكلاهما لديه فرصة التواصل مع أطباء نفسانيين من خلال تواجدهم داخل منشأة تعليمية طبية بل وغالبا يدرسون كورس الاضطرابات النفسية ويحتكون بأطباء وأخصائئين لكنهم يخشون الوصمة فيترددون في طلب المساعدة.
أول ما لفت الانتباه في كلامك هو العطش الشديد إلى الانتماء والرفقة والاحتواء الإنساني، فأنت لا تقول أريد فتاة أحبها، بل تقول أتمنى أن أجد إنساناً واحداً يختار أن يمشي معي ساعتين في الأسبوع.
بصراحة، كثير مما تصفه يبدو استجابة إنسانية طبيعية لسنوات طويلة من العزلة الاجتماعية، فالإنسان يحتاج إلى الانتماء والشعور بأنه مهم لشخص ما مع وجود من يشاركه يومه وأفكاره، وأنت تتحدث عن فقدان آخر صديق حقيقي منذ الثانوية مع محاولات متكررة لبناء صداقات لم تنجح، وغياب القرب العاطفي داخل الأسرة مع عدم وجود علاقة عاطفية وقضاء سنوات طويلة وحيداً. وفي هذه الظروف، من الطبيعي أن تظهر مشاعر الوحدة والحزن والإحباط والتساؤل عن قيمتك لدى الآخرين وهذا لا يعني وجود اضطراب نفسي أو اضطراب شخصية.
ومن الوصف يبدو أن لديك سمات قريبة من نمط التعلق القلق Anxious Attachment أو ما يسمى أحياناً بالجوع العاطفي المزمن. فلديك خوف من فقدان العلاقات (عندما اختلفت مع صديق الثانوية حاولت أن أصالحه رغم أنه المخطئ)، وهذا يدل على أن فقدان العلاقة كان مؤلماً لدرجة دفعتك لتحمل مسؤولية أكبر من مسؤوليتك.
كما تميل إلى الاستثمار العاطفي الكبير في علاقات محدودة (شخص تذهب معه الجيم منذ سنوات وتتوقع أن تصبح العلاقة أعمق فتتألم عندما تكتشف أنها ليست كذلك) فالشخص القلق تعلقياً لا يكتفي بوجود الناس حوله، بل يبحث عن شعور هل أنا مهم عندك؟.
كما يبدو أن لديك حساسية لإشارات الرفض (كلما حاولت أن أقترب أكثر أجده لا يريد) ويبدو أن هذه التجارب تكررت وتركت أثراً عميقاً لديك.
صديقي الشاب لا أرى تعلقاً قلقاً شديداً أو مرضياً، بل أراك شخصاً محرومًا من العلاقات لفترة طويلة فأصبح أكثر حساسية تجاه غيابها.
ولو تطرقنا إلى أسرتك سنجد هذه الجملة المعبرة عن حال الأسرة (أبي وأمي يريانني ابنهما الكبير، السند لإخوته).
ففي بعض الأسر يحدث ما يسمى: Parentification أي أن الطفل يُنظر إليه مبكراً باعتباره المسؤول والعاقل والقوي الذي لا يحتاج شيئاً فيكبر وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بما يقدمه للآخرين لا بما هو عليه، ثم يصبح داخله سؤال مزمن من يهتم بي أنا؟ وهذا السؤال تردد في رسالتك عدة مرات.
هناك تشوهات معرفية في نظرتك لنفسك؟ (شكلي سيء، ليس معي شيء أقدمه لفتاة، حب وارتباط لا أعتقد) وهذه ليست حقائق، بل استنتاجات وفيها قراءة سلبية وغير واقعية للمستقبل (لن يقبل بي أحد)، ويظهر لديك أيضا التعميم الزائد (فشلت عدة صداقات، إذن لا أستطيع تكوين صداقات)، ولديك فكرة التقليل من القيمة الذاتية رغم أنك على وشك التخرج من كلية الطب لكنك لا تراها كميزة بينما تركز على الشكل والمال والرفض الاجتماعي.
كما يوجد احتمال لوجود بعض السمات التجنبية الخفيفة Avoidant Personality trait مثل توقع الرفض والحساسية للتقييم وصعوبة المبادرة الاجتماعية.
لماذا لم تنجح الصداقات رغم محاولاتك؟
هناك احتمالان، الأول هو أنك تتوقع قرباً عاطفياً أسرع من المعتاد، فبعض الأشخاص يحتاجون سنة أو أكثر قبل أن يعتبروا أحداً صديقاً مقرباً، بينما الشخص الوحيد لفترة طويلة قد يحاول القفز من زميل إلى صديق مقرب بسرعة أكبر من الطرف الآخر. والاحتمال الثاني هو أنك تبحث عن علاقة تعوض كل النقص الموجود في حياتك، أي أن الصديق يصبح مطالباً بأن يكون الرفيق والسند والمستمع والعائلة البديلة، وهذا عبء قد لا يتحمله معظم الناس.
هناك نقطة تستحق الانتباه وهي لماذا لا تستمتع بشيء؟ (لا أعرف كيف أستمتع بأي شيء أفعله) وهنا يجب التفكير في احتمالين، وجود إنهاك نفسي بسبب الوحدة المزمنة، أو أعراض اكتئابية خفيفة أو متوسطة، ففقدان المتعة يستحق التقييم إذا كان موجوداً لأسابيع أو أشهر طويلة.
الخلاصة
لا يوجد لديك اضطراب شخصية واضح، بل أنت حساس عاطفياً، وتتحمل مسؤوليات كبيرة، ومحرومًا من القرب الإنساني منذ سنوات، وبدأت تفسر هذا الحرمان على أنه دليل على أنك غير مرغوب، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الوحدة الطويلة جعلتك تخلط بين أنا وحيد الآن، و أنا غير جدير بأن يحبني أحد، وهما شيئان مختلفان تماماً.
التوصيات
1. لا تجعل هدفك العثور على أفضل صديق أو شريك حياة فوراً، بل توسيع شبكة العلاقات تدريجياً.
2. استثمر في البيئات المختلفة كسنتي الامتياز، والأنشطة الطبية والجمعيات الطلابية والأعمال التطوعية.
3. حاول بناء عدة علاقات متوسطة العمق بدلاً من البحث عن شخص واحد يملأ كل الفراغ.
4. قيّم أعراض الاكتئاب بشكل مهني إذا كان فقدان المتعة والحزن واليأس مستمرين منذ أسبوعين فأكثر.
5. اعمل على مراجعة الاعتقاد (أنا لا أملك شيئاً أقدمه)، فأنت شاب على وشك التخرج من الطب، قادر على بناء مستقبل مهني، ولديك قدرة واضحة على التأمل والتعبير عن نفسك. وهذه ليست صفات شخص خالٍ من القيمة، بل صفات شخص لم يتلقَّ ما يكفي من التقدير والاحتواء.
وفقك الله وتابعنا
واقرأ أيضًا:
استغاثة وحيد
طبيب أعمل لأسافر وحيدا وقلبي شاغر
فلان وحيد وبعيد وربما مكتئب!!
الخوف من الموت وحيدا في الثلاثين