أنظر إلى هاتفي الآن وأرى عبارة «فلان is typing» تظهر وتختفي، تخبرني أن أحدهم يكتب لي رسالة، ينتظر قلبي قليلاً ثم تختفي النقاط...
لم تصل الرسالة... لقد محاها... تماماً كما فعلت أنا مئات المرات!
كم رسالة كتبتها ولم أرسلها؟
رسائل اعتذار طويلة محوتها واكتفيت بكلمة «آسف» جافة، ورسائل امتنان عميقة استبدلت بها «إيموجي» يبتسم ابتسامة باردة، أو رسائل غضب صاغتها نار اللحظة فأطفأها عقلي قبل أن تحرق جسوراً لا أريد هدمها، ورسائل وداع ثقيلة اختصرتها في عبارة «مع السلامة» السخيفة كأنني سأعود غداً!.
في مجلد المسودات الخفي في أرواحنا، تتكدس رسائل لن يقرأها أحد، رسالة لوالد نشرح فيها لماذا اخترنا طريقاً غير الذي رسمه لنا، رسالة لصديق قديم نعترف فيها أننا أخطأنا في حقه ذات يوم، رسالة لمعلم نخبره كم غيّر في حياتنا دون أن يدري، رسالة لجارٍ نشكره على ابتسامته الصباحية التي تضيء يومنا، ولا أنسى تلك الرسالة التي أحتفظ بها لنفسي أسامحها فيها على كل ما لم تستطع تحقيقه... وبعض ما حققته!
لماذا نكتب ولا نرسل؟
لأن الكتابة علاج والإرسال التزام، ولأن الكلمات حين تخرج من دائرة الصمت تصبح حقيقة لا يمكن استرجاعها، ولأننا نخاف من الرد أو من عدمه، ومن أن يُساء فهمنا أو ربما أن نُفهم أكثر مما نريد، نخاف من أن نبدو ضعفاء أو عاطفيين في زمن يحتفي بالبرود... والقسوة!
أحياناً أعيد قراءة محادثات قديمة وأتوقف عند الفجوات، تلك المساحات الصامتة بين الرسائل، وأتساءل: ماذا لو كنت أرسلت تلك الرسالة المحذوفة؟ هل كانت ستغير شيئاً؟ هل كانت ستجعل الخلاف أقل حدة أو الصداقة أكثر عمقاً؟
الغريب أن أجمل الرسائل هي تلك التي لم نرسلها، لأنها احتفظت بصدقها الخام، فلم تخضع لمقص الخوف أو مساحيق التجميل الاجتماعي، وبقيت طازجة في قلوبنا، نقية كما وُلدت في لحظة الشعور الأولى.
في الرسائل غير المرسلة حكمة لا ندركها إلا متأخرين، فأحياناً يكون الصمت أبلغ من الكلام، والغياب أوضح من الحضور، وما لم نقله أصدق مما قلناه، وربما تكون «فلان is Typing» التي تظهر وتختفي هي أصدق تعبير عن حالنا: نريد أن نقول لكننا نتردد، نكتب ونمحو، نقترب ونبتعد!
اليوم، قررت أن أرسل رسالة واحدة من تلك المحفوظة في قلبي، واخترت الأسهل، أو الأصعب، رسالة لنفسي، قلت فيها: «أنت بخير، حتى مع كل الرسائل التي لم ترسلها»، ثم ضغطت زر الإرسال قبل أن يسبقني الخوف، ووصلتني الرسالة فوراً، قرأتها وابتسمت. أما بقية الرسائل، فستبقى حيث هي، في ذلك المكان الآمن بين القلب والإصبع، تتقلب بين الشعور والتعبير، وتنتظر لحظة شجاعة قد تأتي أو لا تأتي، وفي كلتا الحالتين، هي موجودة، وهذا يكفي... أحياناً!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
ابتسامة الطوارئ! / خيبة الأمل.... الأولى!
