لا أحد ينسى طعم خيبة الأمل الأولى، ذلك الطعم الذي يباغتك كجرعة دواء مر يغتال ثقتك في الأطباء ووالديك على السواء، تلك اللحظة الصاخبة التي ينكسر فيها شيء ما في داخلنا للمرة الأولى، كصوت زجاج ينكسر في سكون الليل، حين نكتشف أن العالم ليس كما رسمته لنا قصص ما قبل النوم، وأن الحياة لا تسير دائما وفق قواعد العدل التي حفظناها في المدرسة، هي لحظة نضج قاسية تسرق منا براءة لن نستردها أبدا، مهما بحثنا عنها في ركن المفقودات!
قد تأتي خيبة الأمل الأولى متنكرة في ألف شكل وشكل، فتارة تأتي لطفل يكتشف أن والده ليس ذلك البطل الخارق الذي يحل كل المشاكل بابتسامة واثقة، بل مجرد رجل عادي يتعب ويخطئ ويخاف أحيانا، أو لطالب مجتهد يرى زميله الكسول يتفوق عليه بالواسطة والمحسوبية، أو لموظف مخلص يُكافأ بالتجاهل والنسيان بينما يُرقى من يجيد فن التملق والنفاق، أو صديق يكتشف أن أسراره التي ائتمن عليها أعز الناس صارت تسلية المجالس ونكتة الجلسات، أو حبيب يدرك أن وعود الأمس تبخرت مع شمس اليوم، وأن كلمات الحب كانت مجرد حبر على ورق!
في تلك اللحظة بالذات، نقف مذهولين كمن فقد البوصلة فجأة وسط صحراء قاحلة، نواجه خيارين لا ثالث لهما، فإما أن نغلق قلوبنا بألف قفل ومفتاح ونرتدي نظارة سوداء دائمة نرى بها العالم قاتما لا مكان فيه للطيبين، أو نختار الخيار الأصعب والأجمل، أن نفهم أن خيبة الأمل مثل اللقاح المؤلم، جرعة صغيرة من المرارة تحصننا ضد السذاجة المفرطة، وتعلمنا كيف نحمي أنفسنا من دون أن نفقد قدرتنا على التجربة والحب والثقة من جديد!
أتذكر كيف كنا ننظر للكبار بدهشة واستنكار حين يحذروننا بحكمتهم المزعجة من الإفراط في التوقعات الطيبة من الحياة والآخرين، كنا نظنهم متشائمين محترفين، وأعضاء في رابطة محطمي الأحلام واللحظات السعيدة، لم نفهم وقتها أنهم يحملون في قلوبهم متحفا صغيرا من خيبات الأمل، يفتحونه أحيانا ليتذكروا كيف كانوا مثلنا يوما ما!
ولكن، ورغم ما سبق، تحمل خيبة الأمل الأولى في طياتها، هدية ملفوفة بورق أسود، فهي تمنحنا نظارة سحرية نميز بها بين الذهب الحقيقي ذلك المطلي، بين الصديق والممثل، بين الحب والإعجاب العابر، إنها تعطينا جهاز كشف كذب داخليا يرن كلما اقترب منا بائع أوهام جديد!
المصيبة الحقيقية تبدأ حين نحول خيبة الأمل الأولى إلى حائطٍ نفسي سميك ومرتفع نبنيه بين قلوبنا والعالم، حين نقرر أن نعيش في قلعة من الحذر المرضي، نطل من شرفاتها بتوجس على كل من يقترب حاملا وردة أو ابتسامة، فنصير أسرى تلك اللحظة الأولى كأسطوانة مشروخة تكرر نفس النغمة إلى الأبد!
الحقيقة المرة الحلوة أن الحياة ستستمر في لعبتها المفضلة: مفاجأتنا بخيبات جديدة كهدايا غير مرغوبة، لكنها - والحق يقال - ستفاجئنا أيضا بلحظات جميلة لم نكتبها في جدول توقعاتنا، بأشخاص يثبتون أن الوفاء لم ينقرض بعد، بمواقف تعيد شحن بطارية إيماننا بالخير، فقط علينا ألا ندع خيبة الأمل الأولى تجعلنا أسرى للحظات حدوثها!
وإلى كل من يمر الآن بخيبته الأولى، لن أكذب عليك وأقول إن الألم سيزول غدا، أو أن ما حدث كان لحكمة خفية، الحقيقة أبسط وأقسى: لقد تعلمت درسا لم تطلبه، واكتشفت أن العالم ليس كما ظننت، هذا كل ما في الأمر، لكن هنا السر: كل البشر الذين تراهم يمشون في الشارع بثقة، يضحكون بصدق، يحبون بعمق، كلهم مروا بهذه المحطة نفسها، كلهم ذاقوا المرارة ذاتها، ومع ذلك ها هم يواصلون الحياة، ليس لأنهم نسوا، بل لأنهم تعلموا أن الخيبة جزء من اللعبة، مثلها مثل الفرح والأمل والحب، فخذ وقتك في الحزن، لكن لا تجعله مسكنك الدائم، فالحياة تنتظرك خارج هذه اللحظة، والأيام القادمة مليئة باحتمالات لم تخطر على بالك بعد!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
آخر من يغلق عينيه! / ابتسامة الطوارئ!
