السلام عليكم ورحمة الله
لماذا لا أشعر بأي شيء؟ أشعر بأنني شخص سيئ، لا يوجد أي تعاطف أو مشاعر، أشعر أنني فقدت إنسانيتي. أتمنى أن أعود للشعور بالمشاعر مجددًا. لا يوجد سوى القلق والخوف والتوتر والغضب، فأين الباقي؟ أين مشاعر الفرحة في المناسبات؟ أين حقًا... ما معنى أن أذهب إلى زفاف صديقي فلا أشعر بأي فرحة، ولا أكون قادرًا على الابتسام كغيري وهكذا؟ على الرغم من أنني أحبه ومسرور لأجله وسعيد من أجله، ولكنني لا تصلني مشاعر مثلهم أصلًا حتى أستطيع التعبير عنها أو تظهر على وجهي. والله لم أفعل شيئًا سيئًا في حياتي، ولم أؤذِ أحدًا أبدًا، فلماذا أظل أتعذب هكذا؟
والأسوأ أن أقرب صديق هو ألد عدو؛ عقلي وتفكيري لا يرحمانني أبدًا، طوال الوقت سيناريوهات قديمة وذكريات سيئة، ولا أعيش إلا من أجل مساعدة الناس وإنقاذهم، ولا أعرف كيف أفعل ذلك لنفسي. حياتي فارغة تمامًا تمامًا وخالية حقًا؛ لا توجد أنشطة، لا توجد نزهات، والأصدقاء يُعدّون على أصابع اليد الواحدة ولا يكملون أصابع اليد الواحدة. لا أفعل شيئًا في حياتي سوى الصبر؛ أصبر منذ سنة حرفيًا ولا أفعل شيئًا في حياتي سوى الصبر على أن هناك شيئًا سيتحسن قريبًا، وعندما أشعر أن هناك شيئًا سيتحسن، أعود إلى نقطة الصفر مجددًا.
تخرجت في كلية مؤذية، وبعدها إلى الجيش مباشرة،
فلا توجد فرصة لأفعل أي شيء سوى أن أظل منتظرًا
19/6/2026
رد المستشار
الابن المتصفح الفاضل "محسن" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وبإذن الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
هذا الذي تصفه بدقة وألم ليس "فقدانًا للإنسانية"، ولا يعني أبدًا أنك شخص سيئ. ما تمر به هو حالة طبية ونفسية معروفة جدًا تُسمى فقدان التلذذ أو "الأنهيدونيا" Anhedonia أي فقدان القدرة على التلذذ/الابتهاج، وهي عرض كلاسيكي وجوهري من أعراض الاكتئاب الحاد والصدمات النفسية المتراكمة.
أنت لم تفقد إنسانيتك، بل إن جهازك العصبي قد أعلن "حالة الطوارئ القصوى" وقام بإغلاق لوحة المشاعر تمامًا لحمايتك من فرط الألم. عندما يفيض الكيل بالعقل البشري من كثرة الضغوط، والصدمات، والانتظار، والبيئات المؤذية (كالكلية والجيش)، فإنه يقوم بـ "تخدير" نفسه كآلية دفاعية للبقاء.
دعنا نرى تفاصيل معركتك الحالية لتفهم أنك ضحية لظروفك ولست جانيًا:
1. لماذا اختفت الفرحة وبقي الغضب والقلق؟
في حالات الاكتئاب وفقدان التلذذ، يغلق العقل البوابات أمام المشاعر الإيجابية (كالفرح، والتعاطف، والبهجة) لأنها تتطلب طاقة نفسية مرنة وخزانًا ممتلئًا، وهو ما تفتقده حاليًا. في المقابل، تظل المشاعر الدفاعية (كالخوف، والقلق، والتكيف مع الطوارئ، والغضب) نشطة لأن عقلك يراها أدوات أساسية للبقاء والتحذير من الخطر. ذهابك لزفاف صديقك وحرصك على التواجد رغم هذا الانطفاء هو قمة "الإنسانية" والوفاء، وعجزك عن الابتسام هو عجز جسدي ونفسي خارج عن إرادتك، تمامًا كالمصاب بكسر في قدمه ولا يستطيع الركض مع أصدقائه.
2. عقلك الذي لا يرحم والمجترّ للذكريات
ما وصفته بأن عقلك هو "ألد أعدائك" ويعيد عرض "سيناريوهات قديمة وذكريات سيئة" يُعرف بـ "الاجترار العقلي". عندما يفتقد الحاضر للأنشطة والخيارات (بسبب الانعزال، والجيش، والفراغ)، يرتد العقل إلى الخلف ويبدأ في نبش الماضي وتفكيكه في محاولة بائسة لفهم "لماذا حدث هذا؟" أو "كيف كان يمكنني إنقاذ الموقف؟" هذا ليس عيبًا فيك، بل هو عقل شديد الذكاء والتحليل لكنه يفتقد للوجهة والنشاط الحركي حاليًا.
3. فخ "مُنقذ الآخرين" المتعب
قولك: «ولا أعيش إلا من أجل مساعدة الناس وإنقاذهم، ولا أعرف كيف أفعل ذلك لنفسي» يعكس متلازمة شائعة لدى القلوب الطيبة؛ فالشخص الذي يتألم بشدة يميل غالبًا لإنقاذ الآخرين لأنه يرى فيهم نفسه التي عجز عن إنقاذها، ولأن رؤية ابتسامة الآخرين تمنحه جرعة مؤقتة وضئيلة من الرضا النفسي. لكن هذا يستنزف ما تبقى من طاقتك الضئيلة أصلاً.
4. دوامة الانتظار والصبر المنهك
لقد مررت بمتتالية قاسية للغاية: "كلية مؤذية" تلتها "الخدمة العسكرية" مباشرة دون فاصل زمني لالتقاط الأنفاس أو للتعافي. الجيش والكلية البيئتان تفرضان قيودًا صارمة، وتضعان الإنسان في حالة "انتظار دائم" وجمود للخطط الشخصية. هذا التعطيل القسري لحياتك، والعودة المتكررة لنقطة الصفر في كل مرة تأملت فيها خيرًا، أصابك بـ "العجز المتعلم"؛ وهي حالة يستسلم فيها العقل ويشعر أن أي مجهود يبذله لن يغير النتيجة، فينعكس ذلك بصورة جفاء تام وانطفاء.
كيف تتعامل مع هذه المرحلة؟
توقف عن جلد ذاتك: لست جافًا ولست أنانيًا، أنت "مُستنزَف" حتى النخاع ومصاب بالاكتئاب. الذنب والتعذيب الذاتي يزيدان من عمق الفجوة، فاعذر نفسك كما تعذر صديقًا مريضًا.
تقبّل "اللا مشاعر" مؤقتًا: لا تجبر نفسك على الابتسام أو الشعور بالفرح في المناسبات. اذهب بدافع الواجب والتقدير، واقبل أنك حاليًا في مرحلة "التخدير النفسي" وأن المشاعر ستعود تدريجيًا عندما يزول الخطر والضغط عن جهازك العصبي.
الخروج من دوامة الجيش والانتظار: مرحلة الجيش لها نهاية حتمية، تذكر هذا دائمًا. إنها مرحلة استثنائية من حياتك وليست حياتك كلها. بمجرد أن تنتهي هذه الفترة الصعبة وتبدأ في استعادة السيطرة على يومك، واختيار خروجاتك، وبدء أنشطة جديدة، سيبدأ عقلك بالخروج من وضعية الدفاع إلى وضعية الحياة.
البحث عن دعم متخصص: بما أن عقلك يعيد السيناريوهات القديمة ولديك قلق وتوتر مستمران، فإن التحدث مع طبيب أو معالج نفساني فور توفر الفرصة (حتى لو بعد انتهاء فترة الخدمة) سيكون خطوة فارقة وجوهرية لإعادة ترتيب الأفكار وعلاج الاكتئاب طبيًا وسلوكيًا.
أنت لم تؤذِ أحدًا، وصبرك هذا العام لن يضيع سدى. أنت الآن في أضيق جزء من النفق، والانطفاء الذي تعيشه هو طريقتك لقطع المسافة المتبقية بأقل خسائر ممكنة. ارحم قلبك، فهو مثقل بما يكفي.
واقرأ أيضًا:
فقدان التلذذ والاكتئاب
الامتنان مهارة كم يضيعها الإنسان
التعامل مع الاكتئاب(1-2)
الاكتئاب وعلاجه بين الطب النفسي والرأي العام
القواعد العامة لعلاج الاكتئاب بالعقاقيرومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعنا بالتطورات.