السلام عليكم
أنا بنت 26 سنة أشعر أن حياتي قد تدمرت تماماً، وتوقفت عند نقطة عجزت فيها عن إصلاح أي شيء على الإطلاق. أنا أعيش في بيت لا أحبه مع أشخاص لا أحبهم، ومقتنعة تماماً بأنهم لا يحبونني.
لقد حدثت مشاكل كثيرة بيني وبين والدتي بسبب شقيقي، وهي تقف في صفه دائماً مهما تسبب في إيذائي، وتدعو عليّ بدعوات قاسية جداً لا أستطيع نسيانها. كما أنها تشتكي مني لإخوتي المتزوجين حتى قاطعوني تماماً، وحين يتصلون بي بين الحين والآخر لم أعد قادرة على الرد عليهم. لم أعد أشعر بأنهم إخوتي، ولن يشعروا بي يوماً أو ينصفونني. في أوقات المشاكل يتصلون بي ليسمعوني كلاماً جارحاً، ولم يحاول أحد منهم ولو لمرة واحدة أن يضع نفسه مكاني. أشعر بأنني قد أُلغيت.
أعلم عنهم أشياء بالصدفة، بينما هم يعرفون عني كل شيء من والدتي. أسمع والدتي وهي تحدثهم عني، وأسمعها وهي تضع خططاً معهم حول كيفية قضاء الأعياد والزيارات والنزهات التي لا أكون مشمولة فيها على الإطلاق. حتى في الماضي، كانوا يسألون عن مواعيد عملي وإجازاتي لكي نجتمع، أما الآن فهم لا يأتون وأنا موجودة أساساً، وأمضي شهوراً دون أن أراهم.
أشعر بوجع شديد، وبأنني وحيدة تماماً، وبأنني سأكمل حياتي بمفردي، ولم أعد قادرة على بذل أي مجهود في هذه العلاقات. لا أريد أن أكون إنسانة سيئة، لكنني حقاً لم أجد الحنان الذي سيطلبون مني أن أمنحهم إياه الآن، وفعلياً لا أستطيع التواصل معهم وأنا أعلم أنهم يتحدثون عني وينتقدونني فقط، ويتحدثون مع بعضهم بعضاً كل يوم، بينما لا يتذكرني أحد إلا بين الحين والآخر.
حتى والدتي التي أعيش معها، أنا حقاً متعقدة منها بطريقة تجعلني أجلس بمفردي طوال الوقت، ولا أريد التحدث معها ولا أن تتحدث هي معي. أخاف أن تُعد لي طعاماً لأنها تعايرني به بعد ذلك هي وإخوتي، وأخاف أن تغسل لي ملابسي. أنا لست مرتاحة في عيشتي، ولا أريد الاستمرار هكذا، ولا أعرف كيف أفعل عكس ذلك.
30/6/2026
رد المستشار
قرأت رسالتك بتأنٍ، وأكثر ما لفت انتباهي ليس الخلاف مع والدتك، وإنما الشعور الذي يتكرر في كل سطر تقريبًا، وهو أنك تشعرين بأنك أصبحتِ خارج أسرتك، وكأنك تعيشين بينهم جسدًا، لكنك لا تشعرين أنك جزء منهم.
ومن الطبيعي أن يترك هذا أثرًا عميقًا في النفس. فالإنسان قد يتحمل خلافًا أو موقفًا مؤلمًا، لكن عندما يشعر أن صوته لا يُسمع، وأن صورته تُنقل للآخرين من طرف واحد، وأنه يُستبعد من اللقاءات والاهتمام، فقد يبدأ تدريجيًا في الانسحاب، ليس لأنه لا يريد العلاقات، بل لأنه لم يعد يحتمل ألمها.
ولفت نظري أيضًا أنك وصلتِ إلى مرحلة أصبحتِ تخافين فيها حتى من أن تُقدَّم لك خدمة بسيطة، كإعداد الطعام أو غسل الملابس، خوفًا من أن تُستخدم لاحقًا في العتاب أو التذكير بالفضل. وهذا يدل على أن المشكلة لم تعد مجرد خلافات، وإنما أصبحت تؤثر في شعورك بالأمان داخل بيتك.
لكن في الوقت نفسه، أود أن أنبهك إلى أمر مهم. عندما يمر الإنسان بفترة طويلة من الخذلان، قد يبدأ في رؤية العلاقات كلها من خلال هذا الألم، فيقتنع بأنه منسي أو مرفوض تمامًا. وقد يكون بعض ما تشعرين به صحيحًا، وقد تكون هناك أيضًا مواقف يفسرها الألم بصورة أشد مما هي عليه. لذلك أنصحك ألا تجعلي مشاعرك، على صدقها، هي الدليل الوحيد الذي تبنين عليه أحكامًا نهائية عن نفسك أو عن جميع أفراد أسرتك.
أما بالنسبة لوالدتك، فمن الواضح أن بينكما مواقف توتر متكررة. وقد تكون قد أخطأت في طريقة تعاملها، أو في نقل الخلافات إلى بقية الأبناء، أو في استخدام كلمات جارحة ودعوات مؤلمة. وهذه أخطاء تؤثر في الابن أو الابنة تأثيرًا كبيرًا، حتى لو لم يكن الوالد أو الوالدة يدركان حجم أثرها. لكن بقاء هذه الجراح دون معالجة سيجعلها تتحكم في حياتك أكثر فأكثر.
لذلك أنصحك في هذه المرحلة ألا يكون هدفك إصلاح الأسرة كلها دفعة واحدة، فهذا ليس في وسع شخص واحد. ابدئي بما تستطيعين السيطرة عليه: حافظي على عملك، وعلى علاقاتك خارج دائرة الخلاف الأسري، واستثمري وقتك فيما يقويك نفسيًا واجتماعيًا، ولا تسمحي لهذه التجربة، مهما كانت قاسية، أن تجعلك تعيشين معزولة عن الحياة كلها.
وأخيرًا، لفت انتباهي قولك: "لا أريد الاستمرار هكذا." وهذه جملة مهمة؛ لأنها تعني أن جزءًا منك ما زال يبحث عن طريق للخروج من هذا الألم. وإذا كان هذا الشعور بالوحدة، وفقدان الأمان، والرغبة في الانسحاب يلازمك منذ فترة، فأرى أن الاستعانة بأخصائي نفساني ستكون خطوة نافعة، ليس لأن المشكلة فيك، بل لأنك تحملين عبئًا نفسيًا كبيرًا، ومن حقك أن تجدي من يساعدك على فهمه والتعامل معه.
ولذلك حاولي خفض التوتر والضغوط بالتركيز على أهدافك وحنيها سيقل تركيز على تلك المشكلات وربما تجدين نفسك قادرة على التعامل معها.
واقرئي على مجانين:
إلى الآباء والأمهات .. ارحموا أبناءكم
الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون
نفسي في أم غيرها: أخي بكل احترام وأنا بالجزمة
من أم أسطورة إلى امرأة غريبة : الأم العربية
دبلوماسية العائلة والندم حيث لا ينفع الندم
أمي سبب بلائي وشقائي
ابنتنا ترسم معالم استراتيجية التعامل مع الوالدين
استشهادية تدمر مستوطنات استبداد الوالدين
آباء وأبناء... حقوق وحقائق
آباء وأبناء ..قصة كل بيت
آباء وأبناء: محنة الوعد الذي صار فخا