وسواس في إنكار المنكر يبدأ بالتعافي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد تم تشخيصي من أكثر من متخصص شرعي بأنني مصابة بوسواس قهري، وكان ذلك منذ أكثر من سنة. عرفت لأول مرة من سؤال عن فتوى أن الأشياء القديمة التي نشرتها في حسابي الذي أغلقتُه منذ سنة ونصف -وقتها-(وكنت قد حذفت جميع متابعِيَّ)، في قصة قصيرة مثلاً ككرتون أو لعبة، وحتى إنني اشتهرتُ في المدرسة بين بعض الأشخاص بأنني ألعب تلك اللعبة، عرفتُ بعدما روجتُ لهما أن فيهما معتقدات شركية. وكنت قد أرسلت مقطع فيديو ينبه إلى تلك اللعبة لمجموعة الناس الذين يلعبونها، فكنت أتأكد وربما يتساءل عقلي أنهم لم يروا الرابط؛ فهل أراسل الجميع في الخاص حتى الذين يعرفون أنني أردت لعبها سابقاً؟ وكذلك ربما توجد أشياء أخرى نشرتها. لكنني لم أكن أدرك لماذا قال إنني مصابة بالوسواس (ربما إلى الآن لا أرى فيها خطأً إلى حد ما...). وقد عرفت لاحقاً أنني بالفعل في وقت وجودي في حسابي آنذاك كنت قد نشرت تنبيهاً في قصة قصيرة للجميع بأن اللعبة شركية.
وبعدها يمكنني أن أُلخص حالتي وقتها في حال نصح أحدهم هكذا: أتأكد أكثر من مرة من الفتوى ولا أطمئن إلا أن أنسخ ما قاله الشيخ نصاً، وحتى قد أشُك في فهمي للفتوى. وإذا كان نصحي في الواقع، فكنت بعدما أنصح أشُك بأنني لم أُوضح وأن الشخص لم يفهم، أو أنه كان من المفترض أن أقول كذا. أصل إلى كره التفكير في الماضي لأنني أتذكر منكرات الناس فأفكر هل أنصحهم.
أشُك في أحكام كثيرة -حتى التي كنت أجزم بصحتها في قرارة نفسي-كنت أعرفها وقرأتُها سابقاً، وأن ربما كلام الفتوى لا ينطبق على ما فعله الشخص أو أنها تجوز في حالات (خصوصاً إذا رأيت أشخاصاً يظهر منهم الالتزام يفعلونه). ووصلت إلى أن أستخير (دعاء فقط) قبل كل نصح، لكن بعد ذلك أشُك في أن الاستخارة ربما ليست للنصيحة، وإنما يجب التعلم أو أن أصلي صلاتها.
ووصل بي الحال إلى أنني أتجنب نصح الناس في أشياء كثيرة لشكي فيها وأقول: "إلى أن أتفقه في الدين"، لكنني خشيت أنني إذا أخذت مسار طلب العلم فبسبب هذا الوسواس أنني فقط أزيد ثقله عليّ وأزيد على نفسي آثاماً بأنني تعلمت وكتمت العلم، أو أن أُضل الناس وأقول لهم أحكاماً لا تنطبق على ما فعلوه.
ونتج أيضاً تجنبي لمقاطع الفيديو التعليمية لكيلا أعرِف معلومة وتكون عن منكر، ثم أرى شخصاً يفعله. بل وحتى كرهت الخروج من المنزل لكيلا أرى منكرات الناس فيتوجب عليّ نصحهم لذلك، وحتى كرهت دخول مواقع التواصل الاجتماعي للسبب ذاته، وأصبحت عمداً أحاول تجنب النظر إلى الناس أو سماع ما يقولونه. أصبحت حتى أحمل هماً مستقبلياً إذا دخلت الجامعة كيف سأنصح الناس وهل أي أحد أنصحه.
يمكن القول إنني كنت أنهيار إذا عرفت أنني قلت معلومة خاطئة لأحد، وحتى أحاول أن أضع أي حجة في عقلي لكيلا أفكر في الموضوع. بل وحتى وصل بي الوسواس أنني بعدما نصحت شخصاً عن شيء وعدت للفتوى، وجدتهم كاتبين محاذير ذلك الشيء ولم يكتبوا "النتيجة أنه حرام" أو "حرام"، رغم أنه في فتوى أخرى لنفس الموضوع كان السائل قد قال إنه يعرف أن ذلك الموضوع "حرام" ولكن لأنني رأيتهم لم يقولوا في الفتوى اللفظ "حرام" ولم يعلقوا على قوله ذاك... كان ذلك أول ما يمكنني قوله إنه انهيار لي، وبدأت أُردد بجهرٍ نفس الكلام بتكرار (ربما كان كلاماً تطمينياً بأن أُردد كلمة قالوها في الفتوى تثبت صحة كلامي أو شيء من هذا القَبِيل، لا أتذكر تحديداً ولكن أعتقد أنه من هذا النوع، لكن انتهى بي الحال بأن أطلب فتوى لهذا الموضوع، وتكرر موضوع تكرير الكلام).
استثقلتُ جداً النصح والدعوة بالمعروف. وتوضيحاً لنوع من الأفكار التي كانت تراودني عندما أرى منكراً وتضغطني أن الله سيسألني لماذا عرفتُ منكراً ولم أنصح فاعله، وأن الله لن يرزقني العلم بسبب عدم نصحي (كما كان يقول الشافعي: العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصي)، وأن فاعل المنكر سيقول إنه لم يعرف المنكر وأنا كنت أعلمه ولم أُخبره، وكذلك أن الذي لا يُنكر يصيبه بلاء. كنت لا أرتاح أبداً إلا إذا نصحتُه (وحتى في المرات التي لا يكون الشخص يفعل منكراً بذاته ولكنني أشتبه بسبب فعل أو مظهر معين أنه ربما سيقع أو واقع فيه فيجب عليّ نصحه، وأنا إلى الآن لست متأكدة جداً من موقفي هذا إذا كان خاطئاً أم لا)، أو أن أضع حجة تُقنعني أن ضرر النصيحة أقوى من نفعها أو أنه لا ينطبق عليه...
والآن والحمد لله، أستطيع القول بفضل الله إنني تحسنت كثيراً، وربما يمكنني أن أشير إلى أن ذلك التحسن كان قبل خمسة إلى ستة أشهر وتحديداً بعدما بدأت أتعلم العلم الشرعي (ما زلت في المقدمات التي تُعرّف بالأساسيات كالعلم بالله، ولم أدخل بعد في الفقه وأصول الفقه والأحكام)، وحتى بدأت أُغير وجهة نظري في أشياء مثل: أصبحت أخرج من المنزل بدون تفكير في موضوع أنني سأرى منكراً (لا أدري هل ذلك بسبب تحسن فعلي أم فقط مُخدر لأنني قلت لعقلي إنه لا ينفع نصح الناس في أماكن عامة من أجل إحراج الشخص وأنه يجب أن يكون على إنفراد طالما أنه لم يفعل شيئاً يستوجب النصح أمام العوام، أو إذا كان يعرف أنه منكر ونصحي لن يفيد، أو أن أكثر الإحسان بالشخص إذا كان يظهر لي من الأمر الذي فعله أنه منكر ولكنني لم أتأكد إذا فعلاً فعله أم لا، كما في مرة في المدرسة رأيت طالبة تقوم بفعالية ويجب أن تدفع لكي تلعب بالكرات لتصيب هدفاً تقريباً ويوجد دمى، فقلت أنا لم أسمع منها ما طريقة اللعبة فربما لم تكن قماراً (رغم أنني أشعر الآن أنه كان يجب عليّ أيضاً أن أستفهم الأمر وأعرف إذا كان قماراً فأنصحها، خصوصاً في صورة قد تظهر على أنها قمار أو الواضح منها ذلك))، وكذلك تركت نصح أشياء مثل إذا ظهر جزء من يد أو أسفل ذقن البنات لكثرة انتشاره.
وأصبحت لا أشعر بثقل أو رعب إذا رأيت منكراً في المدرسة أو عند أهلي وأصبحت أكثر شجاعة، وفي المسجد (أنصحهن إذا ظهرت عوراتهن). أصبحت حتى لا أراجع الفتوى أكثر من مرة بل وحتى أقول للناس المعلومة من ذاكرتي طالما تأكدت منها سابقاً (كنت أخاف أن أقول شيئاً من ذاكرتي فيكون خطأً)، ولم أعد أشُكك كثيراً عندما أنصح أحداً. وعادي أن أتعرف على أحكام فقهية بدون ذلك الخوف من أمر النصح، وأصبحت أترك نصح الأمور التي ظهر لي فيها اختلاف عندما أكون لا أفهمها أو متشككة من هو الصواب من الرأيين حتى وإن كنت أثق بمصدر فتوى أكثر من الآخر.
ولكنني أريد الإشارة إلى أنني لم أتحسن فقط عندما بدأت لا أنصح في أمور، بل بفضل الله أصبحت أقرأ الفتوى وإذا تأكدتُ أنصح حتى وإن كنت لا أعرف حكمتها. وأريد أن أضيف شيئاً ربما كان هو السبب بعد الله عز وجل، وهو أنني في بدايات طلب العلم كنت أكتب أغلب ما يقوله الشيخ بلفظه حتى وإن كنت لا أعرف إذا كانت تلك اللفظة مهمة أم لا، بينما كان المفترض أن تكون كتابتي للأساسيات، وهذا من الخوف من التحريف إذا نقلت المعلومة، لكنني بعدما رأيت نصيحة أن المفترض أن تكون الكتابة رؤوس أقلام فقط، أصبحت أتعالى عن الدقة في امور كثيرة وحتى أكتب من مفهومي إذا لم أفهم الشيخ، وإلى آخر ما ذكرته سابقاً من التحسن.
ولكن ما جعلني أشُك قليلاً في أنني أتحسن من الوسواس وأنني كنت أُخدره ولا أعالجه، هو أنني قابلت فتاة تضع كحلاً في السوبرماركت وكنا على بعد من الناس ويظهر عليها قبول أكثر للنصيحة وربما لا تعرف أنه حرام -ما يطابق شروط النصيحة لدي-ولكنني ترددت كثيراً في نصحها وكنت أحاول استخدام نفس حجة المكان العام، وفي الأخير لم أنصحها، وأول فكرة فكرت فيها وردعتني وقتها هي أنها ستجيبني بكلام جارح. وهذا ما جعلني أُعاود الشك بأن الذي لدي هو رهاب اجتماعي أصلاً أو ربما كلاهما.
ولكن عموماً لدي أسئلة أتأساءل حولها منذ بدء الوسواس وهي:
إذا كان الحل هو التجاهل، فماذا أتجاهل بالتحديد؟ هل أتجاهل النصح بحد ذاته أم أتجاهل إعادة البحث والنظر في الفتاوى قبل النصح؟ وكيف وما هي علامات التشافي؟
وأريد الإشارة إلى شيء مهم وهو أنه قبل هذا الوسواس أصابني وسواس الطهارة من الحيض والشك في ركعات الصلاة، ولكن بفضل الله بعدما عرفت أن الحل هو التجاهل التام أصبحت أتجاهله بدون حتى تأنيب ضمير. وأما الصلاة فحرفياً لم يتبقَّ شيء فيها إلا وأصبح لدي وسواس فيه سواء لفظاً أو فعلاً (خصوصاً بعد التجاهل)، لكنني بدأت منذ أكثر من شهر أغلب الوقت أتجاهله بفضل الله وما زال مستمراً.
فأنا لست ممن لا يستطيعون التجاهل -بفضل الله-ولكنني لا أعرف ما المشكلة تحديداً، وهذه هي مشكلتي. غير هذا، لا أعرف ما إذا كان يوجد في عائلتنا تاريخ مرضي للوسواس القهري (في طفولتي قبل الالتزام أتذكر أنني كنت موسوسة في التأكد من أن أغراضي موجودة، ولكنه ذهب).
وأنا أريد أن أُصبح داعية إلى الله ولدي مشاريع دعوية بالفعل...
فأريد أن أسير على خطى مستقيمة حتى أصل إلى بغيتي.
4/9/2026
رد المستشار
الابنة المتصفحة الفاضلة "جنة" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
بداية فإن ما وصفته سطورك عن مسار حالتك (التأكد من الفتاوى، الخوف من عدم التوضيح، الخوف من كتمان العلم، تكرار الكلام للتطمين، وسواس الطهارة والصلاة سابقاً.... إلخ) هو وسواس قهري ديني صريح وواضح، يتعلق عرْضه الحالي بوس.وق. الأحكام الشرعية والتعمق المفرط في تعاملك مع كل ما يخص الحلال والحرام، أما موقف الفتاة في السوبرماركت والمخاوف من ردة الفعل الجارحة، فليس دليلاً على وجود "رهاب اجتماعي" بحد ذاته، بل ربما هو تداخل طبيعي بين: مرحلة التعافي التدريجي، حيث يبدأ العقل بالعودة للتقدير الطبيعي للمواقف، وحساب المصلحة والمفسدة (مثل الخوف من الأذى أو عدم قبول الشخص للنصيحة)، وهي من الشروط الشرعية الصريحة لوجوب إنكار المنكر، وبين رد فعل الوسواس الذي عندما يجدكِ بدأتِ تتجاهلينه وترفضين الاستجابة له، يحاول التشكيك في تعافيكِ ويقول لكِ: "أنتِ لم تتعافَي، بل أصبحتِ تخافين الناس أو تُخدرين عقلكِ!" أي يأتيك شبهة وسواسية جديدة ليعيدكِ إلى دائرة الشك والبحث عن التطمين.
تسألين إذا كان الحل هو التجاهل، فماذا أتجاهل بالتحديد؟ والحقيقة أن التجاهل يتضمن عدة مستويات في حالتكِ هي تجاهل دافع الفحص والتأكد وتجاهل إعادة البحث في الفتاوى قبل النصيحة أو بعدها، وتجاهل مراجعة ما قلتِه للشخص هل كان دقيقاً أم لا، وهل فهمكِ للفتوى صحيح أم لا؟ وتجاهل التفكير التحليلي والتدقيق في الماضي، كذا تجاهل التفكير في منشوراتكِ القديمة أو الألعاب التي أعلنتِ عنها سابقاً (فالقاعدة الشرعية تنص على أن "التوبة تجبّ ما قبلها"، وما فعلتِه بجهل في الماضي لا تُسألين عنه بعد التوبة) وأخيرا تجاهل الفكرة الإلحاحية بالنصح الفوري فعندما ترين شيئاً تشكين هل هو منكر أم لا، أو تشكين هل يجب عليكِ نصح الشخص أم لا؟ فالتجاهل هنا يعني عدم النصيحة وعدم البحث عن فتوى لمعرفة الحكم في تلك اللحظة.... وتذكري دائما أن الموسوس يسقط عنه التكليف في موضوع وسواسه، أي يسقط عنك فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع الشك والتردد، لأن اتباعك للوسواس يُفسد عليك دينك ونفسك.
وأما علامات التشافي والتعافي؟ فإن التعافي من الوسواس القهري لا يعني "اختفاء الوساوس تماماً من العقل"، بل يعني:
1- تغير ردة الفعل تجاه الفكرة، فعندما تأتي الفكرة الوسواسية (مثلاً: "ربما هذا المنكر سينزل عليّ بسببه بلاء إن لم أنصح")، تمرين عليها دون أن تثير فيكِ الرعب أو الانهيار أو الشعور بالذنب المفرط.
2- التوقف عن سلوكيات طلب الطمأنة أي ألا تعودي لتكرار الكلام، أو البحث عن فتوى مطابقة، أو كتابة كلام الشيخ بالنص خوفاً من التحريف.
3- القدرة على التعايش مع الغموض "عدم اليقين" أي أن تقولي لنفسكِ: "ربما كانت النصيحة واجبة وربما لا، والله يعلم أنني أتركها الآن لأصلح نفسي وأتداوى من الوسواس"، ثم تكملين يومكِ دون بحث أو تدقيق.
4- الاتزان والحرية في الحركة في حياتك أي العودة للخروج، ومتابعة التعليم، وطلب العلم براحة وسعادة دون خوف من "كتمان العلم" أو الحرج من الناس.
ما ذكرتِه عن كتابة رؤوس الأقلام، والخروج دون القلق من رؤية المنكرات، والتوقف عن مراجعة الفتاوى مراراً، هي علامات تعافٍ حقيقية وممتازة بفضل الله، وليست تخديراً كما يُحاول إيهامكِ الوسواس.
أولويتكِ الآن هي الشفاء وقد قال العلماء إن المريض بالوسواس القهري تكون أولويته الشرعية هي التداوي والأخذ بأسباب الشفاء، وتُعفى عن كثير من الواجبات الموسّع فيها حتى يبرأ..... وتذكري دائما عدم الاسترسال مع أسئلة الوسواس: إذا سألكِ عقلكِ "هل هذا تخدير أم تعافٍ؟"، لا تجيبي، بل قولي: "سواء كان هذا أم ذاك، أنا مستمرة في طريقي ولن أبحث عن إجابة".
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعينا بالتطورات.