وساوس المعاملات الزواج والطلاق RCBT الوسواس القهري الديني29
مناجزة وس.وق. الزواج
في حالة وسواس قهري الزواج عادة ما تكون الخطوة الأولى هي طمأنة الحالة بعدم إمكانية وقوع الزواج بهذا الشكل لعدم تحقق أركان الزواج الشرعية وربما يكفي أن نذكر منها الصيغة والمهر والولي والإشهاد والرضا، وهي شروط من المستحيل توفرها على عكس الأمر في الطلاق، رغم ذلك فإن كثيرات يتعثرن بعد الاطمئنان المبدئي استجابة لتساؤلات وسواسية ويبحثن عن آراء العلماء المختلفة في كل مذهب ويطلبن الفتوى مرارا وتكرارا، ومن المهم مع هذا الجانب المعرفي أن يتم الاتفاق على التجارب السلوكية وتدريبات التعرض ومنع الاستجابة "الت.م.ا" (والتي تتضمن مثلا الاستماع لتسجيلات لصيغة العقد الشرعي بين طرفين، كتابة صيغة العقد وهكذا...) مع الإحجام عن أي محاولات طلب طمأنة، والكف عن كل أشكال التحاشي الخاصة بكل حالة.
مناجزة وس.وق. الطلاق:
وأما في حالات وس.وق. الطلاق، فمن المهم بداية تصحيح المفاهيم وإزالة اللبس فيما يخص الأثر الشرعي لوسواس الطلاق، ففي حين أن إجراء الزواج يحتاج خطوات وأشخاصا آخرين غير الزوجين بما يجعله عملية تحتاج وقتا، فإن إجراء الطلاق لا يحتاج شيئا من ذلك ويمكن أن يتم الطلاق بمجرد تلفظ الزوج به هذا يجعل الأمر أكثر حرجية وحساسية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المريض في أغلب الأحيان يصل الطبيب وهو يشك في إمكانية وقوع الطلاق رغم ما سمعه -ربما- من أن طلاق الموسوس لا يقع!، أحيانا بسبب كثرة الإجابات التي تلقاها من أكثر من مستفتى، وأحيانا لأن الوسواس أقنعه بأنه ربما طلقها قبل أن يصاب بالوسواس، أو أنه فعلا طلقها دون تدخل من الوسواس أو سيطلقها دون تدخل من الوسواس وكلها حيل وسواسية، وأحيانا رفضا للرخصة في مثل هذا الأمر!.... من هنا تأتي أهمية التثقيف وتصحيح المفاهيم.
أولا خصوصية الطلاق وخصوصية مريض الوسواس القهري:
الطلاق هو موضوع ذو خصوصية فقهية فالشرع يجعل لكلمة "طالق"-حين يقولها عاقل-قوة نافذة تهد بيتا وأسرة لأن لهذه الكلمة قوةً يشهد عليها الله... كلمة طالق إذن لها قوة غير عادية وحين تتفاعل الخصائص المعرفية لمريض الوسواس القهري مع الخصوصية الفقهية للطلاق فإن هذا بالنسبة للموسوس فخ كبير!
مريض وسواس الطلاق القهري كأغلب مرضى الوسواس يعاني من سمات ونقائص معرفية وشعورية تضعف كثيرا من قدرته على التعامل السليم مع موضوع الطلاق بداية من القابلية العالية للشك المرضي، سيما في معلوماته الداخلية ومنها الذاكرة بسبب نقيصة عمه الدواخل حيث يدفعه الوسواس إلى الشك فمحاولة التذكر ثم الشك فيما يتذكر.... فضلا عن وجود تحيز معرفي لديه لإغفال بعض الحقائق أو المقدمات أثناء التفكير.... وميل للقناعة بالقوة السحرية للكلمات أو الأفكار أو الحروف فمجرد التفكير في الطلاق أو حتى حروفه قد يوقع الطلاق، ونزوع للتفكير الترابطي الذي يربط أشياء ببعضها بطريقة لا عقلانية لكنها تمثل قناعة وسواسية بالنسبة للمريض، ثم فإذا أضفنا لذلك أن هذا المريض حين يشتد عليه الوسواس أو الكروب تكون لديه قابلية عالية للانفصال أو الانشقاق.... أي أنه يعيش خبرات حقيقية بالانفصال عن نفسه أو عن داخله أو دواخله.... بما يتواتر فيه حدوث نسيان أو خطأ إدراكي ما.... وهو أثناء أيٍّ من تلك الخبرات معرض للوسوسة والشك بحدوث الطلاق! والخوف من وقوعه، ثم محاولة تذكر ما حدث بما يزيد الشك في وقوع الطلاق!! كل ذلك يبين لنا مقدار العجز والارتباك اللذين يعاني منهما المريض و-عادة-زوجته التي يطلب منها الطمأنة باستمرار أنه لم يطلقها ولم يقل شيئا صريحا ولا شيئا فيه كناية طلاق....إلخ.
ويعتبر وسواس قهري الطلاق أحد أهم الأمثلة على أهمية فهم ضرورة إعفاء مريض الوسواس القهري من التفتيش في دواخله، فرغم أن مريض الوسواس القهري غالبا عاقل.... وليس عادة في إغلاق -وهو ما يعني أنه يستكمل شروط المطلق فقهيا من وجهة نظر المريض على الأقل- إلا أن قدرته على التيقن من نيته ودواخله معطلة إلى حد كبير (في موضوع وسواسه خاصة وبشكل عام) وهو ما يتعارض مع قدرته على عقد النية أو العزم ومع قدرته على قراءة مشاعره الداخلية بثقة وكذا على التذكر بثقة يقينية -وهو ما يفعله كل الناس ببساطة- وهو بالتالي إذا وسوس في الطلاق لا يكون مؤهلا لاستعمال ذلك الحق، فمثلا في حالتي الطلاق المعلق وطلاق الكناية حيث يعتمد وقوع الطلاق على نية الزوج عندما كنَّى أو علق فإن مريض الوسواس القهري لا يمكنه أن يتيقن من ماذا كانت نيته؟! ولذلك السبب انتبه فقهاء المسلمين لعدم صلاحية الموسوس بالطلاق لاستعماله فرأى أغلبهم أن طلاق الموسوس لا يقع....
مع أن ما قد يفهم من المقدمة أعلاه من أن مريض وسواس قهري الطلاق يعجز عن التعامل المنطقي السليم مع موضوع الطلاق -فإن من الغريب أن كل ذلك لم يكن واضحا جليا للأطباء النفسانيين على الأقل حتى أقل من عقد-على عكس ما كان بالنسبة لفقهاء المسلمين منذ قرون!!! فبينما رأى أغلب الفقهاء أن طلاق الموسوس لا يقع-كما سنرى عند الحديث عن العلاج المعرفي-، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للأطباء النفسانين كما يُظهر ما دار على صفحات موقع مجانين سنة 2012 عندما أرسل لنا زميلنا الجليل يرحمه الله د. محمد أحمد الفضل الخاني يقول: (ذكرت بعض المواقع الإسلامية الإلكترونية على الإنترنت نقلاً عن فقهاء مسلمين أن تلفظ مريض الوسواس بالطلاق لا يقع طلاقه، لأنه تلفظ به رغماً عنه، والذي أراه أن حقيقة الأمر غير ذلك وهذا ما دعاني لأن أشرح تعريف مرض الوسواس وخصائصه ومناقشة الموضوع طبياً ومناقشة آراء الفقهاء بآراء فقهاء آخرين والله أعلم). بعد ذلك تفضل يرحمه الله بشرح مبسط لاضطراب الوسواس القهري حسب الدستور الأمريكي الرابع وكان واحدا من اضطرابات القلق آنذاك وهو ما يعني أن صاحبه كامل العقل والمسؤولية عما يفعل، لكن خلاصة ما أراده كان بما أن الموسوس هو مجرد مريض قلق مسؤول عن تصرفاته بما فيها الطلاق خاصة إذا كان يرفض العلاج أو الدواء، ومن يريد تفاصيل النقاش يجده هنا: طلاق الموسوس: الوسواس القهري والطلاق.
ولعل ما زاد الخلط على كل من المريض والآخرين شهرة حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث جدّهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" صدق صلى الله عليه وسلم أخرجه الأربعةُ إلا النَّسائي، وصححه الحاكم، وشهرة هذا الحديث بالتأكيد أكثر من شهرة اجتهادات الفقهاء في أمر طلاق الموسوس، فهذا الحديث هو ربما الثاني مما يشيع على الألسنة من أحاديث المصطفى في الطلاق بعد قوله ﷺ: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، إذ رغم تعلق الحديث الشريف بتعظيم مسؤولية الصحيح المكلف عند الحديث عن الطلاق أو الزواج.... فإن قطاعا كبيرا من الناس -للوهلة الأولى على الأقل- يرى في الوسوسة بالطلاق نوعا من الهزل!! وكأنما لسان حالهم يقول للموسوس بما أنك عاقل فلا توسوس بالطلاق لأن جده جد وهزله جد!!.
واقع الحال أن الموسوس أبعد ما يكون عن الهزل فهو إما في رعب فائق أن يطلق أو إكراه أن يطلق، ولعل من المفيد هنا نقل بعض ما يقول ابن القيم في زاد المعاد عن الهازل في الطلاق: (الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يرد حكمه وبين من لم يقصد ولم يعلم معناه فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة: إحداها: أن يقصد الحكم ولا يتلفظ به، الثانية: ألا يقصد اللفظ ولا حكمه، الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه، والرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم. فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان، .ا.هـ.) ومريض الوسواس القهري الذي يضطر إلى التلفظ يقع في المرتبة الثانية فلا يقصد اللفظ، أو الثالثة وإن كان هنا –لا يقصد التلفظ بالطلاق حرا بل يكره عليه-وبالتالي لا يقصد حكمه....
المراجع:
1- زاد المعاد في هدي خير العباد شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ) حقّق نصوصَه وخرّج أحاديثه وعَلّق عليه: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]- عبد القادر الأرنؤوط [ت ١٤٢٥ هـ] مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان.
2- الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: أحمد بن غنيم النفراوي المالكي: دار الفكر-بيروت: 2008م.
3- الأم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤ هـ) دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
4- عمدة الفقه: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠هـ)، تحقيق: أحمد محمد عزوز، المكتبة العصرية، الطبعة ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م
5- حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار): محمد أمين ابن عابدين: دار الكتب العلمية-بيروت.
ويتبع>>>>>: وساوس المعاملات الزواج والطلاق RCBT الوسواس القهري الديني31
واقرأ أيضًا:
أنا وزوجتي ووسواس الطلاق! / وسواس الطلاق: الشك والوسوسة في القصد والنية!
