وساوس المعاملات الزواج والطلاق RCBT الوسواس القهري الديني31
II- وس.وق. الحسد والعين:
من المفيد في البداية أن نفرق بين مفهوم الحسد في علم النفس ومفهومه الديني، فبينما يقتصر الفهم العلمي لظاهرة الحسد على كونه عاطفة اجتماعية تشمل شعورًا بغيضًا يتسم بالنقص، إضافة إلى عداءٍ واستياءٍ محتملين تجاه الآخرين، تضيف الديانات السماوية بعدين آخرين بعدا نفسيا هو تمني زوال النعمة عن المحسود وبعدا غيبيا هو تأثير الحسد على المحسود، وكون الحسد عاطفة اجتماعية، يعني أنه ينشأ من المقارنة بالآخرين بالتالي لا يستقيم علميا أن يشعر المرء بالحسد تجاه الجمادات أو تجاه نفسه، وهذا أيضًا اختلاف مهم يتعلق بالمفهوم بين علم النفس والدين.
من المهم أيضًا أن نفرق بين الحسد والعين فالحسد حسب الفهم الديني هو تمني زوال النعمة عن المحسود، ولا يكون إلا مع البغض من النفوس الخبيثة، أما العين فقد تكون من المحب وقد تكون من المبغض، لهذا قد تصيب الأم ابنها بالعين حين تعجب به........، والحسد يؤثر ولو على بعد، أما العين فلا تؤثر إلا عند رؤية العائن للمعيون، والإصابة بالعين أمر ثابت ومعروف، ففي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: ((العين حق)). فبعض الناس لنفوسهم خواص تجعلهم يفسدون الأشياء إذا نظروا إليها نظر إعجاب مع الغفلة عن ذكر الله، إذ ينبعث من عيونهم أشعة سامة تخترق ما أعجبوا به فتفسده وتؤذيه........، ومن الناحية العلمية يقر العلم بغموض الظاهرة، ويشير إلى عدم وجود آلية مرضية مادية مثبتة بشكل قاطع لتأثير العين على المعيون، فهناك من يردها إلى أن العين الحاسدة قد تصدر موجات طاقة (كهرومغناطيسية)، وهناك من يربطها بـمراكز الطاقة في الجسد والتركيز على نقطة بين العينين، ولكن هذا كله يندرج ضمن المفاهيم الميتافيزيقية وليس العلمية المثبتة.
من بين أشكال التفكير الخرافي أو السحري في مرضى الوسواس القهري ذات العلاقة بمفهوم الحسد و/أو العين اندماج الفكرة الشيء "أ.ف.ش "TOF أو Thought Object Fusion وتعني القناعة بقدرة الفكرة على التأثير في الشيء أو الشخص، والقناعة بقدرة الفكرة أو الرغبة الشريرة على التأثير السلبي في الشيء المحسود عند المؤمنين بالحسد والعين لا تختلف عن القناعة باندماج الفكرة الشيء TOF كمفهوم علمي، كذلك نجد اندماج الفكرة/الفعل "أ.ف.ف TAF" أو Thought Action Fusion بنوعيها الأخلاقي (التفكير في أني سأحسد= أني حسدت بالفعل) والاحتمالي (التَفكير في حدث 'سيئ' "الحسد" سَيَجْعلُه على الأرجح يحدث!) إلا أن التعامل معرفيا مع اندماج الفكرة/الفعل "أ.ف.ف" أسهل كثيرا من التعامل مع اندماج الفكرة الشيء "أ.ف.ش" لأن القناعة به حين يتعلق الأمر بالحسد أو العين لا تختلف بين الشخص الطبيعي المؤمن بهما وبين المريض كما سنفصل عن الحديث عن العلاج.
من المهم أخيرا أن نفرق بين ما يمثله الحسد والعين بالنسبة لأي شخص عادي من عامة الناس وما يمثله بالنسبة لمريض وسواس قهري حيث يتخذ مفهوم الحسد والعين بعدا سحريا خرافيا يفوق المعتاد بمراحل، ولعل قابلية الانغماس في القهور تسمح للمريض بالوصول إلى أشكال كثيرة من القهور المركبة والمعقدة والتي تشمل أقوالا وأرقاما وآياتٍ وألوانًا ورموزا معينة وربما حركات أو إجراءات كاملة (كالاغتسال) بما لا يقبل عاقل بفعله اتقاء للعين أو الحسد........ ولا يكتفي بالمسنون من الأذكار اتقاء للحسد كما يكتفي الشخص الطبيعي الذي يؤمن بالحسد أو العين.
الصورة السريرية لوساوس وقهور الحسد و/أو العين:
سريريا عندنا شكلان من أشكال وسواس الخوف من الحسد و/أو العين أحدهما أو الشكل الأول وربما الأكثر شيوعا سريريا هو الخوف من أن أكون أنا حاسدا أو عائنا أؤذي الناس، والشكل الثاني هو الخوف من أن أكون -أو من يهمني-ضحية للحسد أو العين من الناس، ورغم ارتباط الشكلين بقهور التحاشي وقهور المشألة فإن مشاعر الذنب والخزي المفرطة تميز الشكل الأول.
فأما مريض الشكل الأول أي الخائف أن يَحْسِدَ هو الناس أو يصيبهم بعينه (الخوف من أن يكون حاسدا أو عائنا يؤذي الناس و/أو نفسه) فتجده يعيش في خوف وقلق دائمين فيلجأ للانعزال والطقوس والتي غالبا ما تكون دينية أي الأذكار لكن بإفراط شديد ويصطبغ سلوكه بالخوف من نفسه ومن اتهام الآخرين له بأنه حاسد أو عائن، وعادة ما يكون أشد معاناة فرغم أنه لا يحسد أحدا إلا أن أشياء معينة حدثت يستغلها الوسواس ليقنعه بأنه يحسد الناس وما حدث من سوء كان بسبب ذلك، وتمتلئ حياة هذا المريض بقهور بالتحاشي (مثلا عدم زيارة الأهل أو المقربين أو مقابلتهم) وقهور المشألة (ما شاء الله تبارك الله) خوفا من أن يحسد الناس، وأيضا قهور طلب الطمأنة ليتأكد أن المحسود أو المعيون لم يصب بأذى ويتسم تفكيره أيضًا بسوء تأويل للأحداث ولسلوك الآخرين وهو ما يزيد من خوفه وقلقه الدائمين رغم لجوئه لقهور التحقق الاستبطاني (هل حسدت أم لم أحسد؟) وقهور طلب الطمأنة المستترة من الآخرين (في محاولة لمعرفة هل حدث مكروه للمحسود؟) فغالبا ما تجعله قهور التذكر أو التحقق الاستبطاني أقرب إلى القناعة بأنه حسد وأما قهور طلب الطمأنة فكثيرا ما تفقد الطمأنة قيمتها بالتكرار خاصة في الحالات التي يصعب فيها التأكد من مصير المحسود أو يحتاج التأكد فترة تمتد زمنيا، إضافة إلى ذلك كله تتعاظم مشاعر الخزي والذنب وجلد الذات بشكل واضح الإفراط في هذا المريض.
وفي هذا الشكل من وسواس الحسد و/أو العين يمكن أن تبدأ الحالة بمصادفة كأن يمتدح الشخص أحدا أو صفة فيه (علنا أو بينه وبين نفسه) فيحدث للممدوح مكروه أو أن يعلن الشخص إعجابه بشيء فإذا بالشيء ينكسر........ هنا تأتي فكرة الحسد إما من أحد المحيطين أو من ملاحظة المريض نفسه والذي يدخل في حالة دفاعية شديدة ويبدأ في التربص لنفسه ليتأكد هل أنه يحسد أو لا؟ وهنا يبدأ تفعيل تحيزات الانتباه وإساءة تأويل الأحداث حتى تدور دائرة الوس.وق. وتتسع، ويمكن أن تبدأ الحالة بإلحاح وسواسي مباشر "احسدْ فلانا....." أو "ستحسد فلان....." أو بكلام باطني يستعرض محاسن فلان "فلان يستحق الحسد"، وفي المقابل يكافح المريض بالمشألة وذكر الله وقراءة الأدعية لكن ذلك لا يكفيه ولا يطمئنه!، من هؤلاء من تقتصر مخاوفه على أنه سيحسد الناس ومنهم كذلك من يخاف أن يحسد نفسه أو أبناءه أو صفة فيه ومنهم من تصل حالته أنه يحسد أو ينظر دعاءه!! فيفسده!
وأما مريض الشكل الثاني أي الخائف من الحسد أو العين أو من أن يحْسده الناس، فتجده يعيش في شك وخوف أو قلق دائم ويحيط كثيرا من جوانب حياته بالسرية ويتخذ تدابير عديدة للتحصين من الحسد وربما يمتنع مثلا عن شراء أغراض جديدة خوفا من الحسد وإن اشترى جديدا خبأه عن الآخرين وإن حصل على وظيفة أو مكافأة لا يعلن عن ذلك إلا مضطرا وهكذا.....، وهذه التدابير بالطبع تختلف من مريض لمريض تبعا لمستوى ثقافته وتدينه أو معلوماته الدينية، منها ما هو متصل بالتراث الشعبي ومنها ما هو خرافي ومنها ما في الواقع إفراط في التدابير الشرعية للتحصن من الحسد أي الأذكار المأثورة، وإفراط هنا تعني تجاوز المسنون والمشروع إلى ما يحمل في طياته تسفيها للعقل الآدمي وإن بدا في صورة التكرار الوسواسي العقيم فضلا عن الالتزام الصارم الذي يعبر عنه بعضهم قائلا: "أصبحت أقدس الأذكار أكثر من الصلوات المفروضة!!"، وإضافة للسرية والاعتزال كذلك يتسم سلوك هذا المريض بالشك المتكرر أو الدائم في حسد الآخرين له (أو لذويه) كما يتسم تفكيره بسوء تأويلٍ للأحداث، ويحمل سلوكه اتهاما ظاهرا أو باطنا للآخرين (وهم غالبا المقربون بسبب السرية)، فبعد زيارة أحدهم مثلا لمنزل المريض تراه يتصل لاحقا بالزائر ليقول مثلا: أتذكر الكوب الذي أعجبك عندي........ لقد تهشم بعد مغادرتك بقليل! ..... وعادة ما يتكرر ذلك بما يدفع المقربين منه لاعتزاله وهو ما يزيد شكوكه ومخاوفه.
ونظرا لأن أعراض وس.وق. الحسد والعين غالبا ما تكون ضمن عددٍ من أعراض الاضطراب الأخرى، وكثيرا ما يكون إيمان المريض بها شديدا بما يعني أنه يصدقها ولا يرى عيبا في الإيمان بالعين والحسد –بينما الطبيب ربما يسخر منه-، وبالتالي لا تتوقع من المريض في الشكل الثاني –خاصة- أن يشتكي من هذا العرض إلا إذا تأكد من إيمان الطبيب النفساني بالحسد والعين وكانت الأعراض شديدة ومزعجة أو مقيدة بإفراط لحركة الأطفال على سبيل المثال أو جاءت الشكوى من أحد أفراد أسرة المريض، ودون ذلك يجب أن يسأل عنها الطبيب النفساني ليكتشفها، فإذا أحس الطبيب النفساني اتسام مريضة وسواس قهري بفرط التصديق لتأثير الأرقام أو الأحلام مثلا أو بالتشاؤم فإنها غالبا تقيم وزنا مفرطا لموضوع العين والحسد، وعليه أن يسأل ليتأكد.
بينما في الحالات التي توجد فيها فقط وس.وق. الحسد والعين دون أعراض وسواس قهري أخرى فإن التشخيص التفريقي بين حالة رهاب الحسد و/أو العين وحالة وسواس قهري الخوف من الحسد (من الشكل الثاني) يجب أن يتبادر إلى الذهن وليس بالمهمة السهلة، لكن ما يساعد هو معرفة أن مريض الوسواس القهري أقل خوفا من مواجهة المخشي منه وأقل انزعاجا من مريض الرهاب، كما تكون مخاوفه أكثر تعقيدًا، كذلك توجد لديه إضافة للتحاشي سلوكيات قهرية معقدة ومرهقة وأفكار متطفلة وأفكار سحرية وهذه النقاط قد تساعد في التفريق.
ويتبع>>>>>: وساوس المعاملات الحسد والعين RCBT الوسواس القهري الديني33
واقرأ أيضًا:
استشارات عن وسواس الحسد/ استشارات عن وسواس العين
