وساوس المعاملات الحسد والعين RCBT الوسواس القهري الديني32
علاج وس.وق. الحسد والعين:
كما اعتدنا فرغم أن أعراض وس.وق. الحسد والعين إنما تظهر ضمن عدد من الوساوس والقهور المتباينة في الحالة أي أنها تكون بعضا من أعراض اضطراب وسواس قهري مختلفة في المريض تحت العلاج، سأذكر هنا فقط ما هو خاص بوس.وق. الحسد والعين والإشكالات التي يقابلها المعالج، يمكننا أن نقول إنه بغض النظر عن كون الحالة من الشكل الأول أو الثاني فإن جوهر العلاج هو التخلي التدريجي عن التحاشي وطلب الطمأنة وغيرهما من القهور، وربما الحقيقة التي أؤمن بها من خلال خبرتي وقراءاتي هي أن مرضى الوسواس القهري من أقل الناس احتمالا أن يكونوا حاسدين نظرا لحساسيتهم للخطأ والذنب الأخلاقي، وهم لذلك يعانون خوفا من أن يكونوا حاسدين استجابة لخاطر وسواسي يعجزون عن تجاهله.
هناك عدد من الإشكالات لابد تواجه الم.س.م (المعالج السلوكي المعرفي) في علاج وس.وق. الحسد والعين
1- هناك فرق لابد من ترسيخه في فهم المريض وهو أن تصديقنا العقدي المشترك بحقيقة الحسد والعين لا يعني تصديقنا بأن المريض حاسد أو عائن، وأنه مهما كانت الأدلة التي يقدمها فإنها لا تعني أنه حاسد ببساطة لأنه لم يُرِدْ أن يحسد ولا تمادى مع الشعور أو الفكرة أو الصورة وإنما هو وسوسة بالحسد لا أكثر، وغالبا يحتاج مرضى وسواس الحسد إلى فهم أن الحسد المذموم ليس مجرد فكرة سريعة ولا حديث نفس ولا خطور خاطر ولا مجرد صورة عقلية عن نعمة أنعمها الله تعالى على عبد من عباده إنما الحسد هو عملية مركبة تضم عناصر متعددة فهو عمل إرادي فيه مشاعر الغضب والبغض تجاه المحسود، وتمني زوال النعمة عنه، دون شعور بالذنب، فإن أحب الشخص النعمة ولم يتمنَىّ زوالها عن غيره فهي غبطة جائزة غير محرمة.... حتى إذا قال يا ليت فلان لم يفضل على بنعمته هذه..... كثيرا ما يكون ذلك الكلام على بساطته مفيدا للمريض.
2- في نفس الوقت لابد من التنبيه إلى أنه ما دام المريض والمعالج مؤمنين بحقيقة أثر الحسد والعين فإن اعتبار الحسد مجرد اندماج الفكرة الشيء "أ.ف.ش TOF" أي اعتباره تفكيرا سحريا أو خرافيا غير ممكن، لأن النفي القاطع لوجود خطر حقيقي لحدوث ذلك الأثر لن يكون مقبولا دينيا ولا مفيدا في الحقيقة ولابد أن يتفق مع المريض على وجود احتمال ولو ضئيل لتحقق أثر العين أو الحسد (بأمر الله ومشيئته).
3- كذلك من المهم –خاصة وأن جزءًا هاما من القهور يتمثل في تلاوة أدعية مسنونة أو مأثورة أو آيات شريفة من كتاب الله-النجاح في إيصال المريض إلى فهم الفرق بين التحصين المسنون الذي يثاب ويحصن صاحبه، وبين الأداء التكراري القهري الذي يضل ويضيع صاحبه، أي بين تلاوة وسيلة واحدة باطمئنان وبين التكرار القهري عديم المعنى وغير المطمئن، ومن المهم أن نعرض هنا تلك الأدعية والسور أو الآيات المسنونة عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في منع النفس من الحسد أو في التحصين من التعرض للحسد.
أولا المسنون في منع النفس من الحسد و/أو العين:
أ. الدعاء بالبركة عندما يعجبك شيء عند الآخرين، فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن سهل بن حنيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: (علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق) رواه النسائي.
ب. قول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، قال تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك مالاً وولدًا)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة من أهلٍ ومالٍ وولدٍ فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى آفة دون الموت) رواه ابن ماجه.
ت. تلاوة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج من البيت كما ورد في حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم. أو أجهل أو يجهل علي) الكلم الطيب -الثالثة -٥٩، صححه الألباني وأخرجه الأربعة وقال الترمذي "حسن صحيح ".
ثانيا: المسنون في الوقاية والعلاج من الحسد و/أو العين
مشهور بالنسبة لغالبية الناس وهو "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" "قل هو الله أحد"، "قل أعوذ برب الفلق"، "قل أعوذ برب الناس" (المعوذتين) وأيضا قراءة آية الكرسي.... قراءة الفاتحة....، وغيرها من الدعوات الشرعية المعروفة، مثل: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق". وأما المسنون في رقية من تعرض للحسد و/أو العين هو (اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)، رواه مسلم في الصحيح. ومثل: (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك).
في حين يكتفي أصحاء العقل عادة بواحد أو اثنين من النصوص أعلاه، فإن ما يقع فيه مرضى الوسواس القهري ليس فقط فرط التكرار القهري (مفتوحا أو لعدد معين) وإنما أيضًا تراهم يضعون شروطا لذلك (كالوضوء مثلا أو التوجه للقبلة) ويراقبون أنفسهم أثناء التلاوة ويشكون في مخارج الحروف فيكررون، وبعضهم يكرر الدعاء إذا رآه أحد أثناء التلاوة... وهكذا.... وقد رأيت حالات لا يكف أصحابها عن التكرار طوال ساعات الصحو.
رغم ذلك يمكن بعد مرحلة من العلاج أن يسمح لبعض المرضى للاكتفاء ببعض المسنون في التحصين من الحسد و/أو العين، إلا أن تحول ذلك إلى فعل قهري -أو كان من الأصل فعلا قهريا في الحالة- بالتالي يلزم أن تكون تلاوة الذكر المطلوب مرة واحدة بغض النظر عن كيف جاءت أو مخارج الحروف أو ما صاحبها من صور عقلية أو غير ذلك، فإن عجز المريض عن عدم التكرار وهذا يوجب المتابعة القريبة للمريض كما يستلزم المرونة في التطبيق حسب حالة المريض في اتجاه التقليل التدريجي وصولا إما إلى متعافٍ يستعين بوسيلة واحدة من وسائل التحصين ضد الحسد و/أو العين دون تكرار أو إطالة أو إلى المنع الكامل من قراءة الأذكار والرقى والأدعية الخاصة بالحسد مثلا في حالة عجز المريض عن التوقف متى ما بدأ أو في حالة الأم التي تحاصر أبنائها ليل نهار بالرقى والأدعية بما قد يؤثر على صحتهم النفسية، ولا يقال للمريض عند ذلك أن أذكاره أو أدعيته لا ضرورة لها وإنما يقال إن مثل هذه السنن لا تسن للموسوس (كما الحال في سجود السهو وإسباغ الوضوء) لأنها تتحول إلى فخ قهري بسهولة.
4- المعنى المشترك الذي يجب إيصاله للمريض هو أن الحسد و/أو العين قوة غيبية لكنها لا تؤذي إلا بإذن الله وأن الأفعال الاستباقية والقهور التي يفرط في تكرارها كذلك لا تنفع إلا بإذن الله... الله جل وعلا هو الضار وهو النافع فلا الحسد يضرك إلا بإذنه ولا قهورك تنفعك كذلك، وعلى هذا المنطق يجب أن يستند التفكير لتقييم سلوكك الحالي فإذا نظرنا لما تفعله من قهور فإننا نرى أثرها السيء أو ضررها على حياتك ولا نر لها نفعا، فإذا نظرنا إلى قهور التحاشي وجدناها لا تفيد إلا استمرار قناعتك الخاطئة بأنك تحسد دون دليل على عكس ذلك، وإذا نظرنا إلى قهور طلب الطمأنة وجدناها لا تفيد إلا في هز صورتك وإعلان اضطرابك أمام الناس وكثيرا ما لا تبقيك مطمئنا، وأما تكرارك القهري للأذكار ففيه من التعمق والاعتداء ما يجعله مذموما من الناحية الشرعية، وصولا إلى أن التوقف عنها يصبح واجبا علاجيا وشرعيا.
5- من الشائع أن يتذبذب استبصار مريض وسواس الحسد والعين -وهناك حالات تتسم بضعف شديد في الاستبصار- بما يجعل الوصول به إلى القناعة الثابتة بأن هذا وسواس وأن المريض ليس حاسدا ولا عائنا هدفا لا يشترط أن يكون مبكرا في العلاج.... وربما يبدأ العمل على الاستبصار بعد الانخراط في التجارب السلوكية، ومع بداية ظهور تأثير مضادات الذهان العقارية. بدلا من ذلك يوجه الجهد العلاجي المعرفي إلى مناقشة الأثر الحقيقي للقهور على حياة المريض، مقابل الأثر المفترض، وكيف أنها لا تفيد بقدر ما تؤذي وتعيق، وصولا بالمريض إلى بدء التطبيق السلوكي بالتقليل التدريجي للقهور والاحتياطات والأفعال الاستباقية وتختلف التفاصيل تبعا لكل حالة لكنها تشمل غالبا (قهور بالتحاشي (مثلا عدم زيارة الأهل أو المقربين أو مقابلتهم) وقهور المشألة (ما شاء الله تبارك الله) خوفا من أن يحسد الناس أو تكرار أي من الأدعية و/أو الآيات المسنونة، وأيضا قهور طلب الطمأنة ليتأكد أن المحسود أو المعيون لم يصب بأذى) وعادة ما تكون الأولى والأخيرة (قهور التحاشي وطلب الطمأنة) هي الأكثر إرباكا وإعاقة لحياة المريض لذا يفضل البدء بهما قبل العمل على قهور المشألة أو تكرار الأدعية، ومن المهم بمكان أن يتأكد المعالج من عدم لجوء المريض لأي من القهور التحصينية سرا أو بين جلسات التعرض أو قبل أو بعد التجارب السلوكية لأن ذلك يمنع التعلم ويفسد العلاج.
ويتبع>>>>>: وساوس المعاملات الحسد والعين RCBT الوسواس القهري الديني34
واقرأ أيضًا:
استشارات عن وسواس الحسد/ استشارات عن وسواس العين
