وساوس المعاملات الزواج والطلاق RCBT الوسواس القهري الديني30
ثانيا الحكم الشرعي لطلاق الموسوس:
من المهم للمعالج أن يلم بالمعلومات الأساسية عن فقه الطلاق لأن المريض في بعض الأحيان يكون عالما ببعض الآراء دون غيرها، وكما أشرنا من قبل فإن غالبية الفقهاء رأوا بوضوح "عدم وقوع طلاق الموسوس" وهو أمر يستحق الإشادة لأنه يشي بعمق تفهم الفقهاء الأوائل للحالة العقلية لمريض الوسواس القهري، فكان رأي الحنفية والمالكية "عدم وقوع الطلاق إذا كان القصد منه دفع الوسوسة والراحة، لأن الطلاق في هذه الحالة ليس اختياراً حقيقياً، ودواء الموسوس هو الاستعاذة بالله لا الطلاق."
من نصوص المالكية للفقيه المالكي "المواق" في كتابه التاج والإكليل: (... في رجل توسوسه نفسه فيقول: قد طلقت امرأتي! أو يتكلم بالطلاق وهو لا يريده، أو يشككه. فقال: يُضرِب عن ذلك ويقول للخبيث: صدقت ولا شيء عليه. ابن رشد: هذا مثل ما في "المدونة": أن الموسوس لا يلزمه طلاق، وهو مما لا طلاق فيه، لأن ذلك إنما هو من الشيطان، فينبغي أن يُلْهَى عنه، ولا يلتفت إليه، كالمستنكح في الوضوء والصلاة، فإنه إذا فعل ذلك أيس الشيطان منه فكان ذلك سبباً لانقطاعه عنه إن شاء الله). وتعريف المستنكح في المالكية كما جاء في "الفواكه الدواني" [1/224]: (..(وهو) أي المستنكح (الذي يكثر ذلك) أي الشك (منه)... والحال أنه (لا يوقن) بشيء يبني عليه، هذا هو معنى الاستنكاح...)
ومن نصوص الحنفية نَقَلَ ابنُ عَابدِينَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى عن اللَّيثِ: في مَسأَلَةِ طَلاقِ المُوَسوِسِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوَسوِسِ، قَالَ: يَعنِي المَغلُوبَ في عَقْلِهِ. اهـ. ومن نصوص الحنابلة ما نَقَلَه ابنُ القَيِّمِ: إنَّ المُطَلِّقَ إذا كَانَ زَائِلَ العَقْلِ بِجُنُونٍ أو إغمَادٍ أو وَسوَسَةٍ لا يَقَعُ طَلاقُهُ، قَالَ: وهذا المَخلَصُ مُجمَعٌ عَلَيهِ بَينَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ. ومن نصوص الشافعية ما قاله الإمام الشافعي نفسه في "الأم" بأن "من كان مغلوباً على عقله (كالمجنون والمعتوه والموسوس) لم يلزمه الطلاق ولا غيره".
كذلك اتجهت أقوال الحنابلة في طلاق الموسوس إلى "عدم وقوع الطلاق إذا غلب الوسواس على عقله حتى لم يدرك ما يقول، قياسًا على المجنون والمغشى عليه"، وهو ما ذكره فقهاء الحنابلة كابن قدامة المقدسي وغيره، وكذلك عند الشافعية، لا يقع طلاق الموسوس إذا كان مغلوباً على عقله بسبب الوسوسة لدرجة أنه لا يعي ما يقول أو لا إرادة له، أي أنهم تقريبا كلهم عللوا عدم أهلية الموسوس للطلاق بكونه مغلوباً على عقله بسبب الوسوسة أو أنه لا يعي ما يقول أو لا إرادة له وهذا وصف دقيق لحالة مريض وسواس الطلاق، ولم يختلف عن ذلك الرأي إلا نفر قليل من فقهاء الشافعية والحنابلة الذين قالوا بوقوع طلاق الموسوس إذا حصل برغبة وإرادة كاملة وليس بسبب الوسوسة وغالب الظن هنا هو من كان موسوسا في غير الطلاق ولم يوسوس بالطلاق.
رغم أهمية المعلومات الفقهية أعلاه في تهدئة مخاوف المريض في أغلب الحالات إلا أنها أحيانا لا تكفي لتهدئته!! عادة ما يكون ذلك بسبب رحلة طويلة قضاها المريض في قهور الاستفتاء والعذاب الطويل مع تضارب الآراء والشك فيها، ومع قهور التحاشي، ويعتاد أغلب المرضى خلال تلك الرحلة أن الاطمئنان الناتج عن الفتوى لا يدوم إلا قليلا، وأنّ السلامة لمن اتخذ التحاشي سبيلا، لذلك كثيرا ما يحتاج هذا المريض جهدا للتحفيز خاصة في حال عدم استخدام عقاقير إضافة للع.س.م CBT.
ثالثا فنيات علاج وسواس قهري الطلاق
يبدأ العمل المعرفي السلوكي عادة من الجلسة الثانية التي تراجع فيها استجابات المريض لبنود مقاييس أو استبارات Inventories الوسواس القهري المختلفة، وفيها غالبا ما يكتشف المريض أعراض قهرية في حياته بعضها قديم ربما من الطفولة وبعضها حالي، ويستطيع المعالج من خلال تشريح تلك الأعراض مع المريض أن يضرب عصفورين بحجر واحد ففضلا عن تعميق فهم المريض لآلية عمل الوسواس القهري، يؤدي ذلك إلى التخفيف كثيرا من وطأة الوسوسة بالطلاق فقد أصبح مثل غيره وسواسا لا أكثر، كما يؤدي كذلك للتأكيد على كون الحالة مرضية، وتعتمد الإجراءات العلاجية التي تمثل برنامج التعرض ومنع الاستجابة الت.م.ا على نوعية الأعراض الخاصة بالحالة.
أولا الخوف من وقوع الطلاق دون تلفظ:
بعض مرضى وسواس الطلاق القهري يظن أن تكرار كلمة طالق داخله (وهي وسواس لكنه يشك هل هي منه –أي حديث نفس-أم من الوسواس) يؤدي إلى طلاق زوجته، وتفيد هؤلاء معرفة أن الطلاق لا يقع بمجرد حديثِ النفس أي أنه حتى لو لم تكن الكلمة وسواسا وكانت من نفسك فلا يترتب عليها طلاق. وبعض المرضى يشكُّ هل طلقها أم لا وتراه يعتزل الزوجة خائفا وَجِلًا!! كما تفيدهم معرفة أن الطلاق لا يقع بمجرَّد الشك؛ لأن الأصل المستيقن هو وجود النكاح، واليقين لا يزول بالشك، فمجرد الشَّكِّ في الطلاق لا يلتفت إليه، ولا تنحلُّ به عقدة النكاح، وكل هذه الأحكام هي لصحيح العقل وليست لمريض الوسواس القهري في الطلاق، وبالتالي يقال للمريض حتى لو لم تكن مريض وسواس قهري وكنت صحيح العقل معافى لا يقع الطلاق فما بالك وأنت مريض؟!.... عليك أن تتوقف عن محاربة تكرار كلمة طالق داخلك اعتبرها لا شيء... فإذا أحسن ذلك يقال له في مرحلة لاحقة: ذَكِّر نفسك بها ثم تجاهل الأمر.
ثانيا تحاشي اللفظ الصريح والكناية:
أكثر مرضى وسواس الطلاق يخاف من وقوع الطلاق إذا تلفظ باللفظ الصريح أو الكناية أو كتب أو قرأ أو رأى كلمة "طالق" ومشتقاتها، أو حروف الطلاق... إلخ، ويستخدم لذلك نوعان من محفزات الوسواس بعضها عام يُذَّكر بالطلاق وبعضها خاص بكل مريض حسب تفاصيل حالته، لذلك يجب أن تركز إجراءات التعرض ومنع الاستجابة "الت.م.ا" على التعرض لمثيرات وسواس الطلاق –وعادة ما تكون الكلمة أو الحروف وأحيانا ما يربطه الوسواس بالحروف-مع التدرب على الامتناع التام عن التحاشي وعن الاستفتاء.
ومن الأمثلة كتابة كلمة طالق وطلاق وطلق يطلق تطلقيا فهي طالق وهو مطلق بحيث يملأ صفحتين من القطع الكبير، ثم قراءة ما كتب بصوت عالٍ في حضور الزوجة وغير حضورها، أو أحيانا كتابة كلمة طالق بخط كبير على فروخ ورق وتعليقها في أكثر من مكان بالبيت وهكذا.... أو سماع فتاوى الطلاق أو القراءة عن الموضوع.... إلخ.
من المحوري في العلاج كذلك أن يتدرب المريض على الكف التدريجي عن القهور الاستباقية Anticipatory Compulsions مثل مراقبة الكلام ومثل "زَمِّ الشفتين" أو "إغلاق الشفتين بقوة"، وعن قهور التحقق أو محاولات التذكر أو مراجعة الكلام لمعرفة وقوع الطلاق من عدمه
ثالثا الربط الوسواسي فالتحاشي:
وفي حالات الربط الوسواسي (أي حين يربط الوسواس شيئا معينا بالطلاق فيصبح مثيرا لديه للوسواس فيتحاشى المريض ذلك الشيء) يمكن أن يكون المثير خاصا جدا مثل ارتداء الزوجة فستان معين، أو زيارة شخص ما... أو شراء فاكهة معينة أو نوع معين من الأجبان... إلخ... وهنا يتم الاتفاق على التعرض لهذا المثير المعين مرارا وتكرارا مع الامتناع التام بعد ذلك عن طلب الطمأنة سواء من الزوجة أو مقدم الفتوى إلخ... مع التأكيد على استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين بشكل طبيعي.
رابعا وساوس وقهور التلفظ بالطلاق:
أشرنا من قبل إلى وجود حالات يكون فيها التلفظ بالطلاق بمثابة الفعل القهري الذي يريح المريض فعله، وبينا علاقة ذلك بقابلية مريض الوسواس العالية للانفصال أو الانشقاق المعرفي والذي قد يكون خفيفا يقوم الوسواس خلاله بإلحاح شديد على الطلاق حتى يتلفظ به المريض مقهورا، وقد يكون شديدا ومباشرا فيشعر المريض بأن قوة من داخله تنفصل عن إرادته جزئيا أو كليا وأن الكلمات بالتالي ربما تقال داخله ورغما عنه تحرك لسانه ويتفوه بها ولذلك يلجأ للقهور الاستباقية (مثل أن يغلق بل يلصق فكيه أو يضع قطعة من القماش في فمه، ومثل مراقبة الكلام ومثل "زَمِّ الشفتين") ومن المحوري كما أشرنا يتدرب المريض على الكف التدريجي عن تلك القهور الاستباقية، والامتناع عن طلب الطمأنة مهما حدث منه التلفظ لأنها قهور لا أيمان طلاق...... ومن الناحية العقَّارية يحتاج مثل هذا المريض غالبا إلى إضافة مضادات الذهان إلى عقاقير الم.ا.س.ا SSRIs
خامسا القسم على النفس بالطلاق:
في حالة القسم على النفس بالطلاق يقع مريض الوسواس القهري في حيصَ بيص، خاصة إن كانت المرة الأولى التي يقسم على نفسه فيها بالطلاق، فتراه مقتنعا بوقوع الطلاق لأنه أخفق مثلا في عدم تكرار الوضوء أو الصلاة أو الغسل... إلخ، ولما كان "القسم على النفس بالطلاق" من الناحية الشرعية يعتبر نوعا من أنواع الظهار أو اليمين بالطلاق، وتترتب عليه أحكام فقهية خاصة، ومعناه أن يقوم الزوج بالحلف على نفسه (أو التزام) بأنه سيطلق زوجته إذا لم يفعل شيئًا معينًا أو إذا فعل شيئًا محددًا، فإذا لم يلتزم بالقسم، يقع الطلاق كما حلف، ويُعتبر القسم على النفس بالطلاق من الأمور التي تثير الجدل وتختلف الآراء الفقهية حول حكمه -بالنسبة لصحيح العقل-، خاصة ما يتعلق بوقوع الطلاق فعلاً أم مجرد وجوب الكفارة إذا كان القسم للتحريض، أم وقوعه إذا كان قاطعاً ومؤكداً ويرجع في ذلك إلى نية الزوج: إذا كان قصده تعليق الطلاق على شرط (مثلاً: "إن كلمتُ فلاناً، فزوجتي طالق")، فإذا تحقق الشرط وقع الطلاق.، أما بالنسبة لمريض الوسواس القهري، فضلا عن كونه مقهورا على القسم بالطلاق فإنه عاجز عن معرفة نيته بثقة (ونيته هي المرجعية لوقوع الطلاق من عدمه كما بينا سابقا) وبالتالي لا أثر شرعيا لقسمه على نفسه بالطلاق.
سادسا وس.وق. الطلاق في النساء:
بينا سابقا أن لدينا شكلين من أشكال وسواس الطلاق في النساء هما وسواس الخوف من الطلاق ووسواس الخوف من طلب الطلاق وفي الشكل الأول تتجه السيطرة القهرية فيها خارجيا أي على كلام الزوج ونواياه من كلامه، كما تتجه قهور التحقق أيضًا خارجيا لتسأل الزوج أو غيره، وفي الشكل الثاني تتجه السيطرة داخليا ويتجه التحقق بالتذكر القهري داخليا وبطلب الطمأنة خارجيا، ويتلخص العلاج في شرح والتدرب التدريجي على التوقف عن كل تلك القهور مع ضرورة إشراك الزوج في العملية العلاجية، فتتدرب على الكف عن سؤال الزوج عن كلامه أو نيته من كلامه ويتوقف هو عن التجاوب معها كما في مناجزة طلب الطمأنة أدناه، كما تتدرب في الشكل الثاني على التوقف عن مراقبة الكلام وزم الشفتين... وعن محاولات التذكر أو تسجيل الحوارات بينها وبين زوجها للتأكد لاحقا مما قالته له إلخ، وأخيرا يجب أن يكون ذلك دون أي محاولات لطلب الطمأنة.
سابعا وساوس وقهور بطلان/فساد النكاح!
من المهم التأكيد على أن حالات وس.وق. بطلان/فساد الزواج لا تصل الطبيب النفساني عادة وفيها شبهة شرعية حقيقية أو مبنية على غير الشك وما دون ذلك لا يصل خدمات الطب النفساني السريرية، وبالتالي فإن المتوقع أن تكون علامات مثل عيوب التفكير والأخطاء الإداركية وربما التفكير السحري الخرافي واضحة في السردية التي يحكيها المريض أو أهله ومثل هذه الحالات تحتاج عملا معرفيا أعمق للعمل على تلك العيوب والأخطاء، مع ضرورة التنبيه على الزوج/الزوجة بعدم الانخراط في أي إجراءات بهدف الطمأنة مثل الطلاق وإعادة العقد أو سؤال مقدمي الفتوى إلخ.
ثامنا وساوس وقهور طلب الطمأنة:
تعتبر وس.وق. طلب الطمأنة من الشريك أو الفقيه من أكثر الوس.وق. التي تميز حالات وسواس قهري الزواج والطلاق لذلك من المهم بالنسبة لطلب الطمأنة من الشريك الاتفاق مع الزوجة في حضور الزوج (أو العكس) على ما ستقوله حين يسألها طلبا للطمأنة مثلا عن حوار قديم أو حديث دار بينهما مخافة أن يكون فيه طلاق، فترد قائلة (تذكر أننا اتفقنا على الكف عن الطمأنة بخصوص هذا الموضوع لمساعدتك، لذا فإنني لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال. الآن دعنا نواصل ما كنا نفعل...)، وأما طلب الطمأنة من الفقيه فلا تبدو طريقة ممكنة للسيطرة عليه إلا من خلال المريض نفسه أي أن يتدرب على تحمل القلق والمخاوف من الذنب والحرام دون استفتاء حتى يتمكن من تجاوز الأمر.
المراجع
التاج والإكليل: محمد بن يوسف الموَّاق: (مع مواهب الجليل للحطاب): دار الفكر-بيروت:2002م.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: محمد عرفة الدسوقي: دار الفكر-بيروت: 2005م.
ويتبع>>>>>: وساوس المعاملات الحسد والعين RCBT الوسواس القهري الديني32
واقرأ أيضًا:
أنا وزوجتي ووسواس الطلاق! / وسواس الطلاق: الشك والوسوسة في القصد والنية!
