أنظمة حكمنا تتحدث عن "الانفجار السكاني"، وما سمعناها من الهند والصين واليابان وغيرها من الدول ذات الكثرة السكانية، بل تنادي بأنها تحتاج زيادة بأعداد البشر، لأن القوى العاملة تتناقص، والمسنون يتزايدون، ولابد من ضخ المجتمع بالمواطنين الواعدين القادرين على ديمومة النمو الاقتصادي.
البشر على مر العصور اهتم بالكثرة العددية لأنه يريد أيدي عاملة تساهم في الزراعة وجني المحاصيل، فالبشر قوة اقتصادية وليس عبئا، كما نتوهم لعجزنا عن الاستثمار في الثروة البشرية، كما فعلنا في ما عندنا من ثروات وفي مقدمتها الثروة النفطية.
فعلتنا فقدان مهارات الاستثمار بأنواعها، ولدينا ميل للتدمير والإمحاق، فكلما زاد عدد البشر في ديارنا ذهبنا إلى خوض الحروب للقضاء على المزيد منهم، فثروات الأمة أكثرها مبددة في شراء الأسلحة لتوفير أدوات الصراع البيني الدامي بين أبناء الأمة في بلدانهم وبينها.
من الأسباب المغفولة للحرب العراقية الإيرانية، هو التخلص من البشر الواعي صاحب الرأي والمهارات المعاصرة، لكي يعيش الكرسي في أمان، بعيدا عن تطلعات الجماهير الواعدة.
فمن الجانب العراقي تم القضاء على مئات الآلاف من حملة الشهادات وأصحاب العقول المبدعة، ومن الجانب الآخر تم التخلص من الذين يعمهون في غفلة التضليل والتبعية الساذجة القاضية بالموت في سبيل قول مأفون.
أما تهجير العقول وطردها وتعويق نشاطاتها في ربوع الأوطان، فهي سياسة متواصلة منذ قيام دول الأمة، ولهذا فإن أمتنا بها النسبة الكبرى من العقول المهاجرة من ديارها.
في بلداننا مغنية الحي يجب أن تلقى حتفها وتغادر مسارح الحياة، ليس لأنها لا تطرب ولكن لأنها ستغضب الكراسي الحاكمة بالقهر والجهل والطاعة العمياء.
تنبأ المؤرخ البريطاني (أرنولد توينبي)، (1889 - 1975) منذ منتصف القرن العشرين بزيادة المخترعات وتسارع التقدم لأن عدد البشر سيزداد وأعمارهم ستطول وتراكم التجارب سيساهم بنهضة كبرى.
وعندنا زيادة أعداد البشر مشكلة كبرى تتحدث عنها أنظمة الحكم وتعدها نقمة، ولا تعترف بنعمتها وضرورات تفجير طاقاتها وتحويلها إلى قوة ذات قيمة اقتصادية وحضارية.
ويبدو أن الحروب لن تتوقف في المنطقة، ربما بسبب افتقار دولها لخطط ومهارات التعامل النافع مع الزيادة البشرية، وتعتبرها حملا ثقيلا على كاهلها، مما يضطرها إلى التخلص منها بافتعال الصراعات الدامية بين أبناء الوطن الواحد وبينها وبين جيرانها.
وتجد الدول الغربية وحتى اليابان تشجع على الهجرة إليها لأن البشر يُحسب قوة اقتصادية في عرفها، لا كما ننظر إليه على أنه معرقل لوجودنا الموجوع بنا.
بحكوماتٍ تعادي شَعبها
وتراهُ كخطيرٍ ضدّها
كلما زادتْ نفوسٌ إشتكتْ
وأجادتْ كيفَ تُردي بَعضها
ما اسْتطاعتْ ذاتَ يومٍ هديها
أو تراها نبعَ فخرٍ عَزَّها
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
معارضات وتناحرات!! / اللا مفهوم مذموم!!
