البالون كان مجهولا خاويا، اقترب منه مَن أجاد نفخه وحقنه بالهوليوم، فتمدد وتعاظم حجمه، وحلق في سماء بلاده وهيمن على فضاء الوجود، وصارت له ظلالا تغطي غابات الأوهام والهذيانات والأضاليل، ووجدوا فيه القابلية للانتفاخ والتحليق عاليا فوق عرش العروش، وحالما اقترب من نيران شمس الفناء انفجر وسقط في وادي النسيان.
هذا سيناريو مضت عليه مسيرة أنظمة حكم دول الأمة، منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، فصارت تُقاد ببالونات قابلة للانتفاخ والانفجار عندما ينتهي دورها، وينفذ غاز التحليق من بدنها.
لو أخذتم أي صاحب سلطة منذ ذلك التأريخ ستجدون متواليات الانتفاخ حتى الانفجار فاعلة فيه، وراسمة لنهاياته التي تكون مأساوية وإذلالية مروعة.
اغتيال وسحل في الشوارع وتعليق على أعواد المشانق، وقتل بالسم أو باصطناع ما يُسمى بالثورات، التي غيرت أحوال الدول إلى الأسوأ.
وكل من تسنم الحكم مأسور بضوابط القوى المتحكمة بالبلاد وعليه أن يحافظ على مصالحها، ويعادي أبناء بلاده ويقهرهم، ويحولهم إلى قطيع راتع راكع في ميادين السمع والطاعة، ويؤهلهم للقفز إلى حياض الموت بشعارات مزوّقة تخدرهم، وتقودهم إلى المجزرة برضاهم وتفانيهم دفاعا عن السلطان الملهم الفتان.
سياسات البالون المنفوخ حتى الانفجار لا تزال فاعلة في دول الأمة، ومساهمة في مصادرة ثروات شعوبها، وتدمير حاضرها ومستقبلها، فهي تشخصن وتأيّن المجتمع وتبث فيه روح الفرقة والتناحر المبيد.
بالونات على رأس البلاد وفوق أكتاف العباد، تحلق بهم في فضاءات الفنتازيا، وتستنهض ما فيهم من الحاجات النفسية المكبوتة، فتحولهم إلى كرات متدحرجة على سفوح المصالح والتطلعات القاضية بمحق آدميتهم، واعتبارهم أرقاما جاهزة للطرح والضرب ببعضها والقسمة على بعضها، وفقا لآليات اطرح واربح.
حكامنا بالونات معبأة بغازات الالتهام والانتقام، وتمضي في طريقها نحو يوم الانفجار والتحول إلى كومة أوهام، في قمقم تنام، ولكل بالون يوم حطام.
انفجر بالون وانتفخ بالون، والقتل سلطان!!تُسائلنا الليالي عن ضَناها
وتُدهشنا بعاديةٍ تراها
عيونُ وجودنا فُقِأت بظلمٍ
فدامَ السمعُ والذلُّ احْتواها
تباركَ غاشمٌ وطغى فسادٌ
وهيْمَنَ كاذبٌ فهوَتْ عُلاها
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
فقهاء الكراسي والمآسي!! / محمد بن سيرين مُفسر الأحلام!!
