وسواس حقوق العباد ع.س.م.د RCBT الوسواس القهري الديني34
IV- وس.وق. الرياء والكِبْر والعُجْب
الرياء هو أن يقوم الشخص بأداء العبادات لله -تعالى-مع تعمّد إظهارها للنّاس ليحمدوه عليها ويُعجبوا بها فلا تكون عبادته خالصة لوجه الله تعالى، وباطن الرّياء هو تعظيم النّاس أو الرغبة في الحصول على إعجابهم أو رهبةً من النّاس وخوفاً منهم، والرياء فعل مذموم شرعا يُعَدُّ من الشرك الأصغر، وقرين الرّياء العُجْب؛ والعُجْب بالنفس هو استعظام المرء لنفسه أو عمله، ورؤيته لنفسه بعين الكمال مع نسيان مصدر النعمة (الله) وهذا أيضًا مذموم شرعا، وأما الكِبْر فيعني استعظام النفس واحتقار الآخرين، وقد عرفه النبي ﷺ بـ "بطر الحق وغمط الناس"، أي رفض الحق وإنكاره ترفعاً، والاستهانة بالآخرين، والمفاهيم الثلاثة هي مفاهيم إسلامية تتداخل فيها علاقة الإنسان بربه مع علاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين، وجلي عن البيان أنها كلها عواطف قلبية أي من الدواخل، وما يحدث لمريض وسواس الرياء –مثلا- هو وساوس متكرّرة تُلقي في قلبه الشكّ في خلاص عمله لله وفي أنه يرائي الناس وقد يتعلق بالعبادات أو فعل الخير أو طلب العلم.... إلخ أو أنه معجب بعمله بما يحبطه أو أنه يتكبر على الآخرين في داخل نفسه، ولأن الاستجابة الطبيعية لأي من هذه التهم (الرياء، العجب أو الكبر) -وهي أن يعرف الشخص مباشرة من دواخله أنه ليس كذلك ولا يشك في ذلك- هذه الاستجابة تخفق في مريض الوسواس القهري بسبب احتياجها لتواصل نشط سلس مع الدواخل وهو ما تحول دونه نقيصة عمه الدواخل فضلا عن القابلية العالية للشك لهذا السبب يكون من السهل لمجرد خاطر يطرأ على الوعي بتهمة الرياء أو العجب أو الكبر –يتجاهله الأصحاء تلقائيا- أن يدخل المريض أولا في محاولات استبطان متكررة لنفي التهمة وكلما حاول كلما ازداد شكا في أن التهمة قد تكون صحيحة، بعد ذلك يلجأ المريض عادة لعدد من السلوكيات التعويضية وإجراءات التأمين الاستباقية كالسرية والتخفي وأحيانا تكرار العمل حتى يؤديه بغير رياء أو عجب أو كبر... إلخ.
يمكن أن يبدأ وسواس الرياء/ الكِبر/ العُجْب بطرق مختلفة -عادة كجزء من وسواس قهري ديني- وهناك من تبدأ الوسوسة بالرياء معه مباشرة وهو يصلي منفردا في المسجد عند دخول أحدهم أو عندما يلتزم بسنة معينة كإطلاق اللحية أو ارتداء النقاب فيأتيه الوسواس بأنه يرائي، ومنهم من تبدأ معه مستغلة الاستجابة لفخٍّ وسواسي سابق مثلا (بعضهم يقنعه الوسواس بأن يستحضر صورة شيخ أو رجل صالح لتساعده على الخشوع ثم بعد ذلك يتهمه إما بأنك ترائي أو تصلي لتعجب ذلك الشيخ، وبعض الموسوسين الذين يستعينون بمراقب من الأسرة أثناء أداء العبادة لأجل التشجيع والطمأنة أثناء وبعد العبادة، يسقطون في نفس الفخ وأولئك الذين يحاولون تطبيق التجاهل العلاجي في الصلاة مثلا فيصلي بشكل طبيعي إسعادا لأهله فيأتي الوسواس بأنه يرائي بل وحتى الذي يخفي قهوره أثناء العبادة في وجود آخرين فيصلي بشكل طبيعي في المسجد كي لا يفتضح أمره يأتيه الوسواس بأنه يرائي) ورغم أن المريض لم يقصد مراءاة الناس إلا أنه يشك في نفسه
وتتمثل القهور في إعادة أو تكرار أداء العبادة سرا أو تفضيل إخفاء العبادة عن الآخرين وأحيانا في ترك تلك العبادة، فكثيرا ما يجد المريض نفسه بعد صراع مع الوسواس بأن صلاته –مثلا-دخلها رياء مقهورا على تكرار الصلاة -دون رياء! - وكثيرون من هؤلاء المرضى يلجئون سريعا إلى السرية أي إلى إخفاء العبادة وفعل الخير عن الناس، فتجد من لا يستطيع الصلاة في وجود أحد، وهناك من يمتنع عن العبادة التي لا يمكن إخفاؤها مثل رفع منشورات دينية أو تمرير رسائل دينية أو مساعدة الآخرين... إلخ.
العلاج السلوكي المعرفي لوس.وق الرياء/العجب/ االكبر:
من النقاط الضرورية قبل البدء في العلاج شرح وتوضيح الفرق بين مفهوم الرياء وكذلك مفهوم الكبر والعجب كما هو في الشرع وبين ما يجد مريض الوسواس في نفسه من أفكار أو مشاعر أو صور تحمل أيا من المعاني الثلاثة ففي حين لابد يشمل الرياء أو العجب أو الكبر المذموم شرعا سلوكا خارجيا يعكس ما في الداخل، فإن ما يتعذب بسببه مريض الوسواس لا يكون أكثر من محتوى عقلي قهري -غير مقبول من المريض- بأي من المعاني الثلاثة، فهناك من تأتيه فكرة الرياء أو العجب أو الكبر فتعجبه ويستثمرها في سلوكه وهناك من تأتيه الفكرة فيخاف منها ويكرهها وهذا هو مريض الوسواس القهري.... لعل الوصول المشترك لهذا الفهم هو الخطوة الأهم في علاج هذا النوع من الو.س.وق. بحيث يوقن المريض أن وجود وساوس بأي من هذه المعاني في وعيه لا يعني أنه يفعل ذلك ولا يعني أنه قد يفعل بغض النظر عن مشاعره، ومن المطمئن لهؤلاء المرضى مقولة اشتهرت عن العلماء هي "من خاف الرياء فهو بعيد عنه" كذلك "من خاف العجب أو الكبر فهو بعيد عنه" لأن المرائي أو المعجب أو المتكبر الحقيقي لا يتألّم ولا يقلق، بل يفرح بنظر الناس، أما صاحب الوسواس فيتأذّى ويجاهد قلبه، وهذا دليل حياة الإيمان فيه.
من المهم كذلك أن يشرح سبب تسمية الرياء بالشرك الأصغر، أو الشرك الخفي، فالمرائي أثناء أداء طاعاته يلتفت إلى نظر المخلوقين وليس فقط إلى الخالق ففي عمله نوع اشتراك بين الخالق والمخلوق. إذن هو شرك في الأعمال، وليس في الاعتقاد، والمرائي لا يعتقد أن الناس آلهة وأن عليه التقرب إليهم بالعبادة، وإنما تميل نفسه إلى مدح الناس فيحسن طاعاته لينال مدحهم وإعجابهم والمنزلة في قلوبه، ومن المهم أيضًا بيان درجات الرياء ولعل أيسر شرح هو شرح د. رفيف الصباغ -رحمة الله عليه- (والرياء على درجات بعضها أعظم من بعض فمن كان لا يصلي أصلًا ولكنه إذا رأى الناس قام فصلى، هذه صلاته باطلة لأنه في الأساس قام يصلي لأجل الناس لا لأجل الله. ومن كان يتكاسل عن الصلاة ويقوم في آخر الوقت، لكنه إذا كان في حضرة الناس أحس بنشاط وقام فصلاها أول الوقت، هذه صلاته ليست باطلة ولكن يقل ثوابها. كذلك من كان يصلي فأحس بشخص قادم فحسن ركوعه وسجوده حتى يقول إنه إنسان صالح.... هذا أيضًا صلاته ليست باطلة ولكن يقل ثوابها، فما فعله المصلي لله يأخذ ثوابه، وما فعله بقصد نظر الناس لا ثواب عليه، إضافة إلى المؤاخذة على ما في القلب من محاولة التزيّن للناس والتقرب إليهم من خلال إظهار التدين) ... وأهمية ذلك التفصيل هي التأكيد على التدرج في المفاهيم فالرياء ليس إما موجود 100% أو غير موجود إطلاقا، وإنما موجود بدرجة أو نسبة كذا، وهذا ما يناقض عادة طريقة تفكير الموسوسين القطبي أو بالأبيض والأسود!.
وعن رفيف الصباغ نأخذ أيضًا (وسواس الرياء معروف منذ سنين طويلة، وقد تكلم عنه الفقهاء القدامى في كتبهم، كالفقيه الشافعي ابن حجر الهيثمي (909-974هـ=1504-1567م) في كتابه "تحفة المحتاج بشرح المنهاج" عندما تكلم عن العَذَبة ( وهي قطعة القماش التي تنزل من آخر العمامة) فذكر أن أصل فعلها سنة ثم تكلم على الذي يخاف أن يرائي بها إن فعلها فقال: (ولو خشي من إرسالها نحوَ خُيلاء [أي كبر وفخر] لم يُؤمَرْ بتركِها -خلافاً لمن زعمه-، بل يفعلُها، وبمجاهدةِ نفسِه في إزالةِ نحوِ الخيلاءِ منها، فإن عَجَزَ [أي عن طرد وساوس خوف الفخر والرياء من نفسه] لم يضرَّ حينئذٍ خُطورُ نحوِ رياءٍ [يعني وروده على ذهنه]؛ لأنه قهريٌ عليه فلا يُكلَّف به كسائرِ الوساوسِ القهريّة، غايةُ ما يكلفُ بهِ أنّه لا يسترسل مع نفسه فيها بل يشتغل بغيرها ثم لا يضرّه ما طرأَ قهراً عليه بعد ذلك).
بعد إكمال الشق المعرفي من العلاج يبدأ التخطيط المشترك بين المريض والمعالج لوضع خطة التجارب السلوكية المطلوبة لتطبيق التعرض التدريجي ومنع الاستجابة مع التوقف عن الإجراءات الاستباقية واحتياطات التأمين ثم تجاهل الوساوس أيا كانت شدتها والاستمرار في العمل مع الإقلاع التام عن قهور الإعادة والتخفي (أي التدرب مثلا على الصلاة في وجود آخرين، عدم تحاشي الإمامة مخافة الرياء... إلخ) وعدم الامتناع عن بعض العبادات المسنونة (أي التدرب مثلا على التصدق في وجود آخرين)، عدم التوقف عن النشاط الديني الاجتماعي (مثل نشر آيات أو مواد دينية، رفع منشورات دينية أو تمرير رسائل دينية أو مساعدة الآخرين... إلخ)، كذلك التدرب على عدم الاستبطان المتكرر للدواخل للتأكد من عدم وجود مشاعر رياء/ عجْب/ كِبر خاصة وقد فهم المريض الأثر العكسي لمحاولة قراءة مشاعره بخصوص موضوع وسواسه والتي لا تزيده إلا شكا بعد شك.
واقرأ أيضًا:
استشارات عن وسواس قهري الرياء
