في عروس البحر حيث تبدو الحياة للوهلة الأولى متّسعةً بالأمل، انطفأت روحٌ كانت تبحث عن نافذة نجاة... قصة بسنت سليمان ليست مجرد حادثة فردية، بل مرآة لواقع نفسي واجتماعي معقّد، تتشابك فيه الضغوط الاقتصادية مع الانكسار العاطفي، ويغيب فيه الاحتواء الإنساني في اللحظة الأكثر احتياجًا إليه.
حين ألقت بسنت بنفسها من الطابق الثالث عشر في سموحة بالإسكندرية، لم يكن السقوط مجرد فعلٍ جسدي، بل كان نتيجة تراكم طويل من الألم النفسي. الضغوط التي تعرّضت لها من طليقها، ورفضه تحمّل مسؤولياته تجاه طفلتيه، لم تكن مجرد خلافات أسرية عابرة، بل شكّلت مصدرًا مستمرًا للشعور بالعجز والقهر. وفي علم النفس، يُعرف هذا النمط من الضغوط المزمنة بأنه أحد أبرز محفزات الاكتئاب الحاد، حيث يشعر الفرد بأن جميع الأبواب مغلقة، وأنه محاصر داخل دائرة لا يمكن كسرها.
لكن ما يجعل هذه القصة أكثر إيلامًا هو ذلك البث المباشر الذي سبق لحظة الانتحار. لمدة ساعة كاملة، كانت بسنت تتحدث، تبوح، تصرخ بصمتٍ مسموع، وكأنها تلقي بنداء استغاثة إلى عالمٍ كامل. . ويُعد هذا السلوك محاولة أخيرة للبحث عن الاعتراف بالألم، أو ما يُعرف بـ"صرخة النجدة المتأخرة". لم تكن كلماتها مجرد حديث عابر، بل كانت إشارات واضحة إلى حالة انهيار نفسي، حيث يظهر الشعور بالخذلان، وفقدان القيمة الذاتية، وانعدام الأمل.
الأمر الأكثر قسوة أن هذا النداء لم يُقابل بتدخل فعلي. اكتفى المتابعون بالمشاهدة، وكأنهم أمام مشهدٍ درامي لا يستدعي الفعل. هذه الظاهرة، التي يصفها علماء النفس الاجتماعي بـ"تأثير المتفرج"، تعني أن وجود عدد كبير من الشهود يقلل من احتمالية تدخل أي فرد، إذ يفترض كل منهم أن شخصًا آخر سيتحرك. وهكذا، يتحول الجمع إلى حالة من الشلل الأخلاقي، حيث تُستبدل المسؤولية بالفعل بالمشاهدة السلبية.
في كلماتها الأخيرة، يمكن استشفاف حالة من "العجز المؤلم" وهو مفهوم يشير إلى استسلام الفرد بعد تكرار الفشل في تغيير ظروفه. بسنت لم ترَ في المستقبل أي احتمال للتحسن، ولم تجد في محيطها دعمًا حقيقيًا يعيد إليها التوازن النفسي... ومع غياب شبكات الأمان الاجتماعي والنفسي، يصبح الانتحار في بعض الحالات، من منظور الشخص ذاته، وسيلة للهروب من ألم لا يُحتمل.
إن هذه المأساة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول دور المجتمع في حماية أفراده... كيف يمكن لإنسانة أن تبث معاناتها علنًا دون أن تجد يدًا تمتد لإنقاذها؟ وكيف تحوّل الفضاء الرقمي إلى مسرحٍ للفرجة بدلًا من أن يكون مساحة للدعم؟.
علميًا، تشير الدراسات إلى أن التدخل المبكر في حالات الضيق النفسي يمكن أن ينقذ الأرواح. كلمة واحدة صادقة، محاولة تواصل، أو حتى إبلاغ الجهات المختصة، قد تغيّر مجرى الأحداث. لكن ذلك يتطلب وعيًا جماعيًا بأن المسؤولية لا تقع على عاتق الفرد وحده، بل هي مسؤولية مشتركة.
في النهاية، تبقى بسنت سليمان رمزًا لحكاية أكبر من شخصها؛ حكاية عن الألم حين لا يُسمع، وعن الإنسان حين يُترك وحيدًا في مواجهة عواصفه الداخلية. إن استذكار قصتها يجب ألا يكون مجرد حزن عابر، بل دعوة صادقة لإعادة النظر في طريقة تفاعلنا مع معاناة الآخرين، ولإحياء قيمة التعاطف بوصفها فعلًا، لا مجرد شعور.
واقرأ أيضًا:
شهرزاد وشهريار.... ورمزية العلاقة بين الرجل والمرأة / شهرزاد… حين عالجت الحكاية جرح الرجولة
