لو كان هناك راتب شهري مقابل محاولة إصلاح الآخرين، لأصبح معظمنا من أصحاب الملايين، فنحن نعمل في هذه المهنة بدوام كامل دون عطلة أو راحة، فنبدأ يومنا بتشخيص مشاكل زوجاتنا وأطفالنا، ونكمل الصباح بوضع خطط تطوير شاملة لزملائنا في العمل، وفي المساء نجلس مع الأصدقاء لنقدم لهم استشارات مجانية عن كيفية إدارة حياتهم بشكل أفضل، وحين ننتهي من كل هذا الجهد المضني في إصلاح العالم، نتساءل بذهول عن سبب عدم تحسن أحوالنا الشخصية رغم خبرتنا الواسعة في حل مشاكل الآخرين!
هذه المهنة الشاقة لها مهارات خاصة ومتطورة نتقنها جميعاً بلا استثناء، فنحن بارعون في اكتشاف مواطن الضعف عند الآخرين من النظرة الأولى، وماهرون جداً في وصف العلاج المناسب لكل حالة بدقة علمية مذهلة، ومبدعون في شرح الطريقة الصحيحة للحياة بتفاصيل دقيقة ومعقدة، ولدينا قدرة عجيبة وغريزية على معرفة ما يجب على الآخرين فعله في كل موقف، حتى لو كنا نحن أنفسنا عاجزين تماماً عن تطبيق نفس النصائح الذهبية على حياتنا الخاصة والشخصية، فالغريب والمضحك أن بصيرتنا تصبح حادة جداً وثاقبة حين ننظر للآخرين، وتصاب بعمى مفاجئ وكامل حين نواجه مرايانا الخاصة!
ما يجعل هذه المهنة مغرية هو الشعور بالتفوق والحكمة التي تمنحها لنا، فحين نقدم النصائح للآخرين نشعر وكأننا نملك الحلول لكل شيء، وكأن حياتنا مثالاً يُحتذى، وكأننا وصلنا لمرحلة من النضج تؤهلنا لإرشاد البشرية كلها، وفي هذه اللحظات ننسى تماماً أن لدينا مشاكل معلقة منذ سنوات لم نحلها، وعادات سيئة لم نتخلص منها، وأهدافاً لم نحققها، وأحلاماً لم نحرك ساكناً من أجلها، ولكن هذا لا يمنعنا من الشعور بالثقة التامة بقدرتنا على توجيه الآخرين!
الطريف والمفارق في الأمر أن عملاءنا في هذه المهنة الغريبة لا يطلبون خدماتنا في معظم الأحيان أو يرغبون فيها أصلاً، بل نحن من نقتحم حياتهم بحماس شديد وثقة عمياء ونبدأ في تقديم خدماتنا المجانية دون استئذان أو حتى مقدمات، ونشعر بالإحباط الشديد والغضب المكبوت حين يرفضون تطبيق نصائحنا الثمينة، أو حين يستمرون بعناد في عيش حياتهم بالطريقة التي يريدونها بدلاً من الطريقة المثلى التي نراها صحيحة ومناسبة لهم، وأحياناً كثيرة نصل لمرحلة الغضب الصريح منهم لأنهم لا يقدرون جهودنا المبذولة بإخلاص في إصلاحهم وتطويرهم، وكأنهم مكلفون شرعاً بقبول تدخلنا الكريم في شؤونهم الخاصة والحميمة!
ربما الوقت قد حان فعلاً لنفكر جدياً في تغيير المهنة نهائياً، أو على الأقل في تقليل ساعات العمل فيها بشكل كبير والتركيز أكثر وبجدية على مشروعنا الشخصي المهمل، فإصلاح الذات مهمة شاقة ومعقدة تحتاج تفرغاً كاملاً ووقتاً طويلاً وصبراً لا ينتهي وحكمة نادرة، وربما لو خصصنا نصف الجهد الذي نبذله بسخاء في إصلاح الآخرين لإصلاح أنفسنا وحياتنا، لحققنا نتائج مذهلة ومفاجئة في حياتنا الخاصة، ولأصبحنا قدوة حقيقية وملهمة بدلاً من مجرد خبراء نظريين ومحترفين في تحليل وتشخيص حياة الغير دون تطبيق عملي على واقعنا!
واقرأ أيضًا:
لو كانت حياتك كتاباً.. هل تقرأه؟ / عمي عباس.. وصديقه!