كانت تستيقظ فجراً منذ ثلاثين عاماً، تعد الإفطار، توقظ الأبناء، تجهز الحقائب، تراجع الواجبات، تمسح الدموع، تضمد الجراح الصغيرة، تحل المشاكل، تنام آخر الجميع، وتستيقظ أولهم، حياتها كلها دارت حول احتياجاتهم، وفجأة، تزوج آخرهم ورحل، والبيت الذي كان يضج بالحياة أصبح صامتاً، والهاتف الذي كان يرن طوال اليوم أصبح أخرس، والأم التي كانت محور الكون... أصبحت زائدة عن الحاجة!
هذا المشهد المؤلم يتكرر بأشكال مختلفة، الطبيب الذي قضى عمره ينقذ الأرواح، يستيقظ صباح أول أيام تقاعده، ليجد أن لا أحد ينتظر مشورته، ولا مريض يحتاج لمسته الشافية، ولا طوارئ تستدعي خبرته، الهاتف صامت، واليدان اللتان كانتا تحملان الشفاء، أصبحت... فارغتين!
وفي مكان آخر، ستجد ذلك المعلم، الذي أفنى عمره في تشكيل العقول، يجلس في بيته محاطاً بذكريات أجيال علّمها، لكن لا أحد يطرق بابه الآن ليسأل عن مسألة صعبة، لا طالب يحتاج توجيهه، ولا فصل ينتظر حكمته، وصوته الذي كان يملأ القاعات... أصبح صدى في فراغ!
هؤلاء المنقذون المتقاعدون يواجهون أزمة وجودية عميقة، فهويتهم كلها تشكلت حول دورهم في حياة الآخرين، قيمتهم الذاتية مرتبطة بكونهم مطلوبين، لا غنى عن وجودهم، وعندما ينتهي هذا الدور، يشعرون وكأن الأرض انسحبت من تحت أقدامهم، كأنهم لم يفقدوا وظيفة أو دوراً، بل فقدوا أنفسهم!
الأصعب أن المجتمع، الذي احتفى بهم وهم يعطون، ينساهم عندما يتوقفون، والأبناء الذين كانت حياتهم تدور حولهم، منشغلون الآن بحياتهم الخاصة، والمرضى الذين شفاهم الطبيب لا يتذكرون حتى اسمه، والطلاب الذين أضاء لهم الطريق، يمضون في دروبهم دون التفاتة للوراء، والعطاء الذي كان يوماً مصدر فخر... أصبح ذكرى باهتة!
يحاول بعضهم ملء الفراغ بأنشطة جديدة، هوايات مؤجلة، سفر، قراءة، لكن شيئاً ما ينقصهم، ذلك الإحساس بأنك مهم، وبأن لوجودك معنى، وأن هنالك من ينتظرك ويحتاجك، ومن سيتأثر إذا لم تكن موجوداً، هذا الإحساس لا تعوضه كل هوايات العالم!
بعضهم يتحول إلى متطفل على حياة من كان ينقذهم، الأم تتصل بأبنائها عشر مرات يومياً، الطبيب يوزع النصائح الطبية على من لم يطلبها، المعلم يحاضر في كل مجلس، محاولين استعادة دورهم القديم بالقوة، غير مدركين أن الزمن تغير، وأن من كانوا يحتاجونهم بالأمس أصبحوا يحتاجون مساحتهم اليوم، والبعض الآخر ينسحب في صمت مؤلم، يجلسون في زوايا منسية، يراقبون الحياة تمضي دونهم، يشعرون بأنهم أشباح في عالم لم يعد يراهم، ينتظرون مكالمة قد لا تأتي، وزيارة قد تتأخر، واحتياجاً لخدماتهم قد لا يظهر أبداً!
هل يجب أن تكون النهاية بهذه القسوة؟ هل قيمتنا فعلاً مرتبطة فقط بما نقدمه للآخرين؟
لعل على هؤلاء الذين امتهنوا وظيفة إنقاذ الآخرين إعادة تعريف ذواتهم لاكتشاف أن للإنسان قيمة في وجوده كله لا في دوره فقط، وأن التقاعد من الوظيفة لا يعني التقاعد من الحياة، وأن نهاية فصل لا تعني نهاية الكتاب، وربما يحتاجون أن يتعلموا فنا جديدا، فن إنقاذ أنفسهم، وأن يكتشفوا متعة العيش لذاتهم لا للآخرين فقط، وأن يجدوا معنى في الوجود لا في الفعل فقط، وأن يتصالحوا مع فكرة أنهم أدوا دورهم بشرف، وحان الآن وقت الراحة المستحقة!
وربما علينا أيضا، نحن الذين ما زلنا نركض في سباق الحياة أن نتذكرهم، أن نزورهم، لا لأننا لازلنا نحتاجهم، بل لأنهم يستحقون ألا يُنسوا، وأن نُشعرهم أن قيمتهم باقية حتى لو تغير دورهم، وأن العطاء الذي قدموه لن يُمحى بمجرد تقاعدهم من وظائفهم أو توقفهم عن القيام ببعض ما كانوا يقومون به بفعل الزمن وأحكامه!
الحياة يا أصدقائي تمر بدورات، ومن كان منقذاً بالأمس قد يحتاج للإنقاذ اليوم، ليس بالضرورة إنقاذاً من خطر مادي، بل من خطر الشعور بأن الحياة انتهت عندما توقف الدور أو الوظيفة، وأن نطمئنه بأن أجمل فصول الحياة أحيان... قد تُكتب بعد التقاعد!
٢٩/١٢/٢٠٢٥
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
أطفالن... تلك المرآة التي لا تكذب! / يمكن.... زعلان من زوجته!
