اعتراف من قلب الجامعة
لديّ مشكلة صغيرة... أو ربما ليست مشكلة أصلًا.
أرى أصدقائي كل يوم في الجامعة يعيشون وكأنهم في فيلم كوميدي رومانسي. أحدهم يغازل الفتيات هن، والآخر يمزح هناك، والثالث يذهب إلى الجامعة وكأنه في مهمة صيد يومية.
وأنا؟ أجلس هناك أراقبهم كجمهور في قاعة المحاضرات. ليس الأمر أنني لا أرى أو أفهم اللعبة؛ بل على العكس، أراها بوضوح تام، لكنني أشعر أن قلبي ليس مهيأً لنفس الشيء.
لا أعرف كيف أتعامل مع هذا كتحدٍ. أحيانًا أشعر أنني الوحيد الذي في الجامعة ليتعلم فعلً، بينما البقية قد فتحوا فرعًا غير رسمي لتطبيق تيندر في الحرم الجامعي.
ربما أنا غريب بعض الشيء، أو ربما ما زلت أنتظر شيئًا حقيقيًا بدلًا من مجرد بضعة أيام من اللهو. لكن في في الوقت نفسه، أفتقد بشدة إلى الحنان.
أحكم على هؤلاء الرجال بنفس الطريقة؛ أتمنى لو كنت مكانهم. وأحيانًا أتخيل الأمر كذلك، فأشعر بالنقص لأني... تأتي صديقة لي وتقول: "فلان يوقظني بـ'صباح الخير' وفلان يقول لي 'تصبح على خير'".
لكنني أريد أن أقول للكثيرين مثلي إننا كثيرون. وأن صبرهم في مواجهة هذه المحن ليس إلا اختبارًا من الله ليرى مدى قدرتهم على الصمود. وبالتأكيد سيجازي الله كل إنسان بحسب ثباته في مواجهة هذه المحن.
أكتب هذا وأنا على وشك الانهيار،
على أمل أن أجد في ردكم عليّ ما يشجعني على المثابرة.
12/03/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بك عزيزي "مراد" على موقعنا ونرجو أن نكون عونا لك، فأنت شخص واعٍ. وهذا ما جعل الصراع يتأجج بداخلك، صراع بين "الدافع" و"القيم" فأنت تعيش صراعًا داخليًا بين دافع فطري طبيعي يتضمن الحاجة للحب، القرب، الحنان وبين قيم داخلية قوية تبحث عن معنى، وعمق، وعلاقة حقيقية. وهذا يسمى صراع الاقتراب–الابتعاد Approach–Avoidance Conflict فأنت تقترب لأنك تشتاق للحنان، وتبتعد لأنك ترفض السطحية، وهذا ليس ضعف بل نضج نفسي مرتفع.ساعد على هذا وعيك الزائد Over-awareness
فأنت قلت "أرى اللعبة بوضوح" وهذا يدل على تحليل عالي للسلوك الاجتماعي، وإدراك أن كثير من العلاقات "تمثيل اجتماعي" أكثر من كونها عميقة، لكن المشكلة أن الوعي الزائد أحيانًا يقتل العفوية فتصبح ترى اللعبة فلا تستمتع بها، وترفضها لكنك تشتاق لما فيها.
كما يبدو من حديثك أن لديك شعورا بالنقص، فأنت تقارن نفسك بمن يحصل على اهتمام يومي، ومن يعيش "لحظات رومانسية سريعة"، فيظهر داخلك شعور لماذا أنا لا أعيش هذا؟، وهذا غالبا حرمان عاطفي نسبي أي أنك لا تفتقد الحب فقط بل تفتقد مشاهدته عند الآخرين.
يبدو أيضا أن لديك احتياجا عاطفيا مكبوتا، فأنت لا تنكر رغبتك، بل تقول أفتقد بشدة إلى الحنان وهذا مهم فالاحتياج موجود، لكن التعبير عنه مقيد بالقيم، وهذا يخلق ضغطًا داخليًا قويًا جدًا.
ولا يمكن إنكار دور العوامل الإجتماعية في موضوعك، فبيئة الجامعة يعتبر سوق علاقات مؤقتة، فالعلاقات سريعة، والهدف منها غالبًا تجربة، وإثبات ذات، ومتعة، فالضغط الاجتماعي يجعلك تقول "لازم تكون مثلهم".
وهم الكثرة ساعد أيضا علي ذلك، فأنت ترى رسائل صباح الخير، ومزاح، واهتمام لكن لا ترى الانهيارات التي تحدث، والانتكاسات، والعلاقات الفارغة، وهذا يسمى تحيزا في إدراك الواقع، حيث نرى المظاهر ونغفل الثمن.
وجود نموذج اجتماعي منتشر أن الرجل الناجح هو كثير العلاقات سواء الاجتماعية والعاطفية، وأن الرجل الجذاب هو من يملك خيارات كثيرة، وهذا نموذج سطحي جدًا، لكنه مؤثر نفسيًا خاصة على الشباب.
ما أشرت إليه في رسالتك ليس اضطرابا نفسيا أو اضطراب شخصية، بل على العكس، هو مؤشر صحة نفسية، ووعي ذاتي عالي، مع وضوح لديك في القيم، وقدرة على ضبط الدوافع، ورغبة في علاقة حقيقية (وليس استهلاك عاطفي) فما لديك هو صراع قيمي عاطفي، وحرمان عاطفي مؤلم، وحساسية نفسية عالية، وتشعر بعمق أكثر من غيرك وهذا سلاح ذو حدين.
أنت تعيش ثلاثة أشياء معًا حيث ترى المتعة عند الآخرين، وترفضها داخليًا، وتحتاجها عاطفيًا، وهذا الثلاثي سبب لك ضغط نفسي كبير جدًا.فأنت شخص يبحث عن معنى في بيئة تبحث عن تجربة، وتتمنى وجود الشعور بالاهتمام، وجود الإحساس بأنك مرغوب، ووجود شخص يبادلك المشاعر. أنت شخص ذو نضج عاطفي وقيمي مرتفع، وتعيش صراعًا مع بيئة اجتماعية سطحية، مع وجود احتياج عاطفي غير مُلبّى يؤدي إلى شعور مؤقت بالنقص.
عليك أن تعترف باحتياجك دون جلد ذات،فأنت تحتاج حب طبيعي.
لا تحوّل الصبر إلى قمع، فالصبر لا يعني تجاهل مشاعرك، أو إنكار احتياجك.
ابحث عن علاقة "تناسبك أنت"، بل علاقة هادئة، وحقيقية، تدريجية.
وسّع تعريف الحنان، فالحنان ليس فقط علاقة عاطفية، كصديق مقرب، وعائلة، وبيئة دافئة.
أنت في منتصف الطريق بين العفوية القديمة والنضج الجديد، وهذه المرحلة دائمًا مؤلمة، لكن الحقيقة التي لا يقولها أحد، فكثير ممن تراهم اليوم يعيشون الفيلم، وسيجلسون لاحقًا يتمنون أن يكونوا مكانك لأنهم تعبوا من السطحية.
وفقك الله وتابعنا