السلام عليكم ورحمة الله
أسكن أنا وأسرتي في واحدة من القرى الفقيرة في مصر، أعاني من الوحدة والحزن ومشاعر الملل لأن حياتي في هذا المكان من العالم هي حكم بالموت على كل أحلامي، أتمنى لو أعيش في مكان يمنح الفرص ويراعي حقوق الإنسان.
أنا ملتزم في كل أمور حياتي ليس لي إخوة وأبي وأمي كبيران في السن، هذه المشكلة بدأت تؤثر على دراستي،خاصة وأنني متردد دائما خوفا من الخطأ…… وعندما سألت تشات جي بي تي كان ضمن نصائحه أشياء مثل الرياضة اليومية وممارسة هواية، وأن أبحث عن أصدقاء جدد؛ يخرجونني من حالة الملل التي أعيشها… ومحاولة تغيير البيئة التي أعيش فيها.... إلخ، وأكتب لكم هنا لأنني شعرت أن نصائحه كلها عامة لا تكاد تمسني أو تمس معاناتي أنا كشخص.
إنني الآن قد أنهيت السنة الثانية من الدراسة للحصول على بكالوريوس الهندسة، وبقي لي ثلاث سنوات لإنهاء الدراسة، إلا أن وضعي "ورغم أني أحب تخصصي" ليس بالجيد، فمعدلي التراكمي في انحدار مستمر؛ غالبا نتيجة الملل والمشاعر والظروف التي حدثتكم عنها، كل هذا رغم أنني أحاول التغيير وما زلت أحاول التغيير.
وهذا يطرح علي السؤال القائل: إلى متى؟ هل أبقى على هذا الحال مع دوام المثابرة على تغييره، إلا أن هذا التغيير ليس أكيدًا؛ فالبيئة المحيطة لن تتغير… فالأمر إذن مجهول النتيجة، وأنا أخشى من ذلك.
علمًا بأن لي طموحًا وآمالًا في الحياة كبيرة تنصب كلها في إطار الإسلام ….أم أنهي كل هذا، بأن أسافر أي أغير البيئة من حولي كلها… كيف؟ بأن أسافر إلى الخارج لعلي أستطيع استغلال طاقاتي الدفينة وقدراتي المعطلة، ولعل مسألة السفر مسهلة لوجود أقارب لي في أمريكا..... لكن لو فعلت من سيرعى والداي؟؟ علمًا بأني أتقي الله في نفسي وفي دنياي..... وأخاف إن هاجرت ألا أسامح نفسي.
أم أنكم ترون بحكمتكم وبصيرتكم حلًا آخر؟... أرشدوني بالله عليكم إلى ما هو خير لي في ديني ودنياي؛
تجنبًا لسوء العاقبة نتيجة لهذا الوضع... وفقنا الله وإياكم لما هو خير.
والسلام عليكم ورحمة الله
19/3/2026
رد المستشار
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز، أشفق عليك من كثرة الحيرة والتردد، كما أشفقت على نفسك من نصائح الذكاء الاصطناعي!! ودعني أقص عليك قصة من حياة الصحابة -رضوان الله عليهم –؛ لعلها تساعدك في اتخاذ القرار.
بعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – تفرق صحابته في الأمصار، واختار سلمان الفارسي – رضي الله عنه – أن يرابط في سبيل الله على ثغر من الثغور، فأرسل إليه تابعي رسالة يقول له فيها مرغباً في العودة إلى المدينة المنورة، ومكة المكرمة: "هلمّ إلى الأرض المقدّسة" فرد عليه سلمان: كنا على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم – نوقن أنما يقدس المرء عمله.
يا أخي العزيز، هناك مواضع اختارها الله – سبحانه - لتكون مكاناً لبيته الحرام، أو مقام رسوله الكريم - عليه الصلاة والسلام - أو غير ذلك من الأحداث العظيمة، لكن نجاح الإنسان وفشله لا يتعلق بالمكان الذي يقطنه بمقدار ما يتعلق بجهده وفهمه للسياق الاجتماعي، والثقافي الذي يعيش فيه، وحسن استثماره لطاقته وجهده في إطار تضاريس ذلك المكان بعد توفيق الله وشكل هذا الاستثمار، وإدارة الطاقة الإنسانية التي يمتلئ بها صدرك تختلف مظاهرها من مكان إلى مكان، ولكن التعويل – في التحليل الأخير – يكون على الوعي والإرادة، والبذل والاجتهاد، وقد يكون الفساد الإداري وخراب الذمم، وعدم تكافؤ الفرص مشكلات مزمنة في مجتمعاتنا في مقابل مشكلات من نوع آخر ستجدها بحسب المكان الذي تذهب إليه.
يا أخي، استصحب حب الله ورسوله، وتقوى الله وخشيته معك، ثم كن في أي مكان على أرضه، وكل الأرضي له سبحانه، واستفِد من مميزات المكان الذي تختاره، وتحمل مصاعبه وسلبياته، وانتقل في الأرض حيث تشاء لا يضرك شيء ما دام الله معك، وهو معك ما دمت تحفظه: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة" ولله الأمر من قبل ومن بعد.
واقرئي أيضًا:
بين الأمس واليوم: المولعون بأمريكا
أهاجر أم أراعي والدي؟ أنت وفلسفتك!
دفتر الأحوال المزمنة: متاعب خريج
حائر بين الهجرة ورعاية أمي
في الهجرة والعشق: جدل المراجعات، والتحولات! م