السلام عليكم
أدركتُ مؤخرًا الكثير عن نفسي، خاصةً فيما يتعلق بالشعور بالذنب وتجنب المشاعر.
أشعر بذنبٍ كبير تجاه والديّ، رغم أن معظم ألمي ينبع من عدم إدراكهما لمشاعري أو فهمهما لي. خلال نشأتي، كان الحب يبدو مشروطًا. كانوا يذكرونني دائمًا بالمال الذي أنفقوه عليّ وما قدموه لي من دعم مادي، وكأن ذلك كان بديلًا عن وجودهم العاطفي. كلما حاولتُ التعبير عن ألمي، كان الأمر يتحول غالبًا إلى ضغط وشعور بالذنب - لقد فعلنا هذا من أجلكِ، لقد ضحينا، يجب أن تكوني ممتنة. لم يكن الأمر يبدو كرعاية بقدر ما كان ابتزازًا عاطفيًا.
نادرًا ما شعرتُ بالدفء العاطفي، خاصةً من والدتي. لا أشعر برابطة عاطفية قوية مع والديّ، وهذا الغياب يؤلمني. ما يؤلمني أكثر هو الشعور بالذنب لعدم شعوري بالقرب منهما، لعدم شعوري بالحب الذي "يفترض" أن أشعر به. أشعر بالذنب لتأثري، وبالذنب لتسميتي ذلك بالأذى العاطفي.
في الوقت نفسه، لاحظتُ أن أنا شخصٌ يميل إلى تجنب المشاعر. عندما تشتدّ الأمور أو أشعر بالضعف، أنسحب. أتجنب المواجهة، وأكبت مشاعري، وأقنع نفسي بأنني لا أهتم بقدر ما أهتم. أتوق إلى التقارب، ولكن ما إن يتحقق، حتى أجد صعوبة في البقاء حاضرًا. أشعر بالأمان في الانفصال أكثر من المخاطرة بخيبة الأمل أو الهجر.
كيف يُمكنني التعافي من شعور بالذنب لم يكن لي في الأصل،
وكيف أتعلم الشعور بالأمان دون الهروب؟
19/4/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بك دكتورة على الموقع ونأمل أن نكون عونا لك، فما تصفينه ليس عيبًا فيك، بل نمط نفسي يُبقيك عالقة بين حاجتين متعارضتين تتوقين للقرب وتخافين منه في نفس الوقت.
وما تصفينه يتطابق بشكل كبير مع نمط تعلق تجنبي قلق حيث لديك رغبة عميقة في القرب والاحتواء، وخوف شديد من الرفض أو الخذلان، وانسحاب عند اقتراب المشاعر، وشعور مزمن بعدم الأمان في العلاقات.
كما أن طريقة تفكيرك لها دور أيضا في معاناتك حيث الشعور بالذنب المرضي من خلال تحمل مسؤولية مشاعر الآخرين، وشعورك الدائم أنك مقصّرة حتى عندما تتألمين، وصعوبة في اعتبار نفسك ضحية أذى عاطفي سابق أو حالي.
أنت تستخدمين آلية دفاعية نفسية وهي التجنب العاطفي من خلال كبت مشاعرك بدلا من معالجتها، والانسحاب عند الضغوط، وإقناع نفسك بأن الأمر غير مهم أو لا يستحق.
وكل ما سبق ليس اضطرابًا نفسيا، بل عدم تنظيم نفسي تكوّن بسبب البيئة.
فالحب المشروط الذي عشته في حياتك حيث ارتبط الحب عندك بشروط، مثلا نصرف عليك، إذًا يجب أن تكوني ممتنة، فالعقل عندك تعلم أن قيميتك فيما تقدمينه للآخرين.
كما كان للابتزاز العاطفي غير المباشر دورا مهما في معاناتك (ضحينا من أجلك، لا يجب أن تشعري بهذا) مما خلق صراعًا داخلك (أنا أتألم لكن لا يحق لي أن أتألم).
معاناتك من الحرمان العاطفي المبكر من خلال غياب الدفء وغياب الاحتواء، وغياب الانعكاس العاطفي، فتعلمت الاعتماد على نفس لكن بدون شعور بالأمان الداخلي.
تشكّل داخلك الطفل المذنب، ففي الطفولة لا يمكنك لوم الوالدين (لأنك تحتاجينهما) فتوجّهين اللوم لنفسك (أكيد المشكلة فيّ أنا) وهذا هو أصل الذنب الحالي.
حضرتك تستخدمين التجنب كاستراتيجية نجاة في بيئة غير آمنة عاطفيًا مع الشعور بالاحتياج يعقبه الخوف من خيبة الأمل، فالعقل يختار الانسحاب وهذا أكثر أمانًا.
لماذا تشعرين بالذنب رغم الأذى؟ لأن الطفل داخلك يقول أنا مجروحة وأحتاج حبًا، والبرمجة العقلية والاجتماعية تقول لا يحق لك الشكوى يجب أن تكوني ممتنة، فالذنب نتيجة هذا التصادم.
الحقيقة التي تحتاجين تثبيتها هي أن وجود دعم مادي لا يلغي الاحتياج العاطفي وعدم شعورك بالقرب ليس خيانة بل نتيجة طبيعية لما عانيت منه فالمشاعر لا إرادية فلا تخجلي منها.
أهم خطوة الآن هو تفكيك الذنب، فكلما شعرتِ بالذنب، اسألي نفسك هل أنا أؤذيهم الآن قولا أو فعلا؟ أم فقط أشعر بهذا؟ فالمشاعر ملكك وليست خطأ، فاستبدلي الفكرة أنا سيئة لأنني لا أشعر بالقرب بأنا إنسانة تأثرت ببيئة معينة وبتعافي.
إعادة تدريب الجهاز العاطفي عن طريق ملاحظة شعورك ولا تهربي منه ولا تحلليه فقط ابقي مع هذا الشعور 90 ثانية فهذا يعيد برمجة أن مخك يتحمل الضيق.
كسر نمط التجنب تدريجيًا بدلا من الانسحاب الكامل فاعملي اقتراب صغير وانسحاب واعي
مثال تعبّرين عن شعور بسيط، تبقين في الموقف قليلًا، ثم تأخذين مساحة.
بناء أمان داخلي بدلا من انتظار الأمان الخارجي، فاسألي نفسك يوميًا ماذا أحتاج الآن؟ وكيف أقدمه لنفسي؟.
إعادة تعريف العلاقة مع الوالدين فبدلا من يجب أن أحبهم كما يجب، قولي لنفسك سأتعامل معهم بما يناسب قدرتي العاطفية الحالية دون تجريح لهم أو إهمال.
فهم نمطك في العلاقات، فأنتِ تميلين إلى الاقتراب والخوف والانسحاب بهدف البقاء في منطقة الاقتراب مع الوعي بالخوف ثم تدريجيا تغييره إلى الشعور بالأمان.
دكتورتنا الغالية اهتمي بما سبق أو اطلبي مساعدة متخصصة خوفا من أن تدخلي في علاقات تبحثين فيها عن الاحتواء ثم تهربين عندما يقترب، أو تنجذبين لأشخاص غير متاحين لك عاطفيًا أو يستغلون احتياجك هذا ويؤذون مشاعرك ويسممون حياتك.
وفقك الله