مساء الخير
أنا لا أعلم متى ينسى جسد الإنسان الأذى؟ متى يمكنني أن أرى شيئاً ولا يذكرني بأيام الأذى أو أتأثر به؟ أحياناً كثيرة تكونين قد تحررتِ من الموقف، ولكن جسدكِ لا يزال مع أول ذكرى يتألم مرة أخرى....
وجدتُ مسلسلاً أمامي أحبه كثيراً، مكوّن من خمس عشرة حلقة فقط! شاهدتُه مرة واحدة، ولكنني شاهدتُه كأنني أسرق شيئاً؛ لم أستمتع به أبداً ولا أستطيع إعادته مرة ثانية...
أسوأ أيام حياتي كانت عندما تزوجتُ رجلاً مؤذياً، لا يستطيع أن يراني سعيدة بشيء وحدي، لا يصح أن يكون هناك شيء خاص بي، لا بد أن يدور الكون كله حوله، أما إذا كان هناك شيء لي فإن أعصابه تنهار ولا يهدأ إلا إذا شاركني هذا الشيء وأفسده بوجوده، أو نغّص عليّ لكي لا أستمتع به...
من ذلك هذا المسلسل؛ أتذكر عندما عُرض، كان يجبرني على الجلوس بجانبه ويظل يعيد ويزيد في مسلسل عبارة عن عشرة أجزاء، كل حلقة أربعون دقيقة، وأنا لا أحبه، وذلك ليل نهار.
وبمجرد أن أشغل المسلسل الذي يعجبني، يبدأ بسبّه وذمه ويقول لي "غيريه"، رغم أنه بإمكانه القيام لفعل أي شيء حتى تنتهي حلقتي الوحيدة! لدرجة أنني كنت أفتحه على هاتفي المحمول وأشاهده وأنا أتخذ ركناً صغيراً جداً على الأريكة، ركناً من الرعب، ممسكة بهاتفي أشاهده وواضعة السماعات لأصنع مساحة آمنة أشاهده فيها!! ومع ذلك لا يهدأ، ويظل يقول لي "أغلقيه"، ويذم المسلسل، وينغّص عليّ الخمس وعشرين دقيقة التي أرغب فيها بفعل شيء لنفسي!!
لن أنسى هذه التفاصيل أبداً. مرّ أمامي الآن وقلبي يؤلمني كثيراً... واكتشفتُ أنه كان خمس عشرة حلقة فقط! وليس عشرة أجزاء ولا شيء من هذا القبيل، وحزنتُ أكثر لأنني كنتُ أظنه ثلاثين حلقة!! مع أنه حتى لو كان ثلاثين حلقة!!!
لم يتركني يوماً أفعل شيئاً لي، حتى أبسط الأشياء. نعم خرجتُ من هذه الزيجة منذ زمن، ولكن مهما فعلتُ أشياء كثيرة لنفسي واخترتُ نفسي في كل ثانية، لا أنا أشعر بالسعادة ولا أنا أكتفي!
كالشخص الذي ظل طوال عمره جائعاً، وبمجرد أن وجد طعاماً لا يريد تركه ولا مشاركته مع أحد أبداً أبداً...
لا أعرف متى سأكون طبيعية وفي حالة وسطية.
10/5/2026
رد المستشار
سيدتي
أهلا وسهلا بحضرتك على الموقع ونرجو أن نكون عونا لك، ما تصفينه لا يبدو كدلع أو حساسية زائدة، بل كتأثير نفسي عميق لتجربة طويلة من السيطرة والايذاء العاطفي اليومي، بحيث يُسلب حقك في المساحة النفسية الخاصة بك، وفي المتعة البسيطة، وفي أن يكون لك عالمك المستقل، وهذا بالضبط ما يظهر في كلامك. فأنتِ لا تتألمين بسبب مسلسل (المسلسل صار رمزًا فقط) لمنعك من حقك في الاستمتاع، حقك في الاختيار، وحقك في أن تكون لك مساحة نفسية لا يقتحمها أحد، وحقك في أن تكوني موجودة دون مراقبة أو إفساد أو تضييق، ولهذا جسدك يتذكر كتعبير جسدي عن الضغوط التي تعرضت لها، فجسدك عند رؤية شيء مرتبط بتلك الفترة يعود لحالة الانقباض القديمة نفسها، وهذا يُشبه ما يحدث في اضطرابات الصدمة المعقدة أحيانًا، حيث لا يكون التفاعل مع الذكرى فقط، بل مع الإحساس الذي عاشه الجسد وقتها كالتوتر، ومراقبة رد فعل الطرف الآخر، وفقدان الأمان، والاضطرار لتصغير نفسك حتى تستمتعي بشيء بسيط (فالركن الصغير على الأريكة، السماعات) لمشاهدة الحلقة كأنك تسرقين، حيث تستخدمين التجنب والكبت كحيل دفاعية لتجنب العقاب النفسي.
عزيزتي
ما تصفينه يُعد أذى نفسيًا فعلًا يتضمن عدة أنماط مؤذية (التحكم بالمزاج والجو العام في المنزل، احتكار الانتباه، إفساد أي مصدر فرح مستقل، عدم تحمل استقلالك النفسي، السخرية من اهتماماتك، جعلك تشعرين بالذنب أو التوتر عند الاستمتاع، والتعدي المستمر على الحدود النفسية)، وهذا النوع من العلاقات يجعل الإنسان مع الوقت يفقد القدرة على الاسترخاء والاستمتاع، لأن المتعة نفسها ارتبطت بالخطر، ولهذا تقولين أفعل أشياء لنفسي ولا أشعر بالشبع، لأن المشكلة لم تكن نقص الأنشطة، بل أن جهازك العصبي تعلّم لسنوات أن أي شيء أحبه قد يُفسد، أو يُنتقد، أو يُنتزع مني، فيصبح التعلق الشديد بالمساحات الخاصة رد فعل مفهومًا جدًا بعد الحرمان الطويل.
السؤال الأكثر أهمية هل لديكِ اضطراب نفسي؟
لا يمكن تشخيصك بدقة لعدم تطرقك إلى أعراض نفسية واضحة، لكن ما تصفينه قد يقترب من آثار ضغوط نفسية علائقية، تظهر علي هيئة أعراض جسدية مع أعراض نفسية في صورة صعوبة الاستمتاع رغم الحرية الحالية (أعتقد أنك في مرحلة الإجهاد من مراحل التعامل مع الاحتراق النفسي) مع فرط يقظة وهذا يعني أن جهازك النفسي ما زال يتعامل مع آثار بيئة استنزفت الأمان الداخلي لفترة طويلة. وأعتقد أنك في احتياج إلي تقييم طب نفسي سريع واحتمال كبير نحتاج جلسات تفريغ انفعالي وتعلم مهارات التعامل مع الضغوط. فالتعافي من هذا النوع من الأذى لا يكون فقط بالفهم العقلي، بل بإعادة تدريب الجهاز العصبي على الأمان.
وماذا عن الزوج؟ هل لديه اضطراب شخصية؟ السلوك الذي تصفينه يحمل سمات قد تُرى في بعض الشخصيات ذات النزعة النرجسية، أو الشخصيات العدوانية التي تميل إلى السيطرة طوال الوقت. فالشخص المسيطر نفسيًا فقد يشعر بأن وجود مساحة لا يتحكم فيها يهدده ولذلك يحاول إفسادها أو احتلالها.
وفقك الله وتابعينا.