السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
سأحاول اختصار حديثي؛ ولدتُ بشخصية انطوائية جداً بين أختين، وكنتُ الابنة الوسطى. كان والداي يهتمان بالأختين الآخرين ويغفلان عني، حتى إنه كان من المفترض حقاً أن أُعرض على طبيب نفسي نظراً لصمتي الدائم وافتقاري للأصدقاء، لكنهما تجاهلا الأمر لأنني كنت هادئة دوماً. ومع هذا الصمت، نسيا تربيتي أساساً؛ فلم يعلماني التمييز بين الصواب والخطأ.
حين وصلتُ لمرحلة الدراسة الإعدادية، بدأتُ أرتكب الأخطاء نتيجة لعدم وجود توجيه، فكان رد فعل أهلي هو التعيير والتعامل بأسلوب سيء للغاية وكأنني غريبة عنهم، بدلاً من نصحي وتوعيتي. استغل الكثيرون خارج المنزل هذا الوضع؛ فحاجتي للأهل ولأجد من أتحدث إليه دفعتني للجوء للغرباء، والذين استغلني الكثير منهم بأبشع الطرق، ولم أكن أدرك للأسف أن ذلك خطأ.
عندما التحقتُ بالجامعة، استوعبتُ الأمر وتوقفتُ عن ذلك المسلك، وكففتُ عن الاعتماد عليهم حتى في النصيحة، فقد حدث لي الأسوأ بالفعل ولا يوجد ما هو أصعب مما مررت به. حاولتُ أن أبدأ بداية جديدة، وارتبطتُ بشخص أحببته حقاً وتزوجنا، ولكن حين علم بكل ما حدث لي في الماضي، رفضني تماماً مثلهم. لا أحد يريد منحي فرصة أو رؤية حقيقة أنني عشت حياتي كلها بشكل بائس ولم أسعد قط، ويبدو أنني سأكملها هكذا.
من الواضح أننا سننفصل بعد أقل من عام على زواجنا؛ لأنه لم يعد يتقبلني رغم أنه كان يخبرني بأننا سنظل معاً مهما حدث، فكان هو أول من تخلّى عني بعد أهلي، الذين -رغم كل شيء- كانوا وما زالوا يستغلونني مادياً. لا أعلم في سني هذا، وبعد كل ما جرى، ماذا سيحدث لي إن تطلقت؟ لقد واجهتُ كل شيء، ولم يقبلني أحد مهما تغيرتُ للأفضل. أخشى إن حاولتُ البدء من جديد ألا أجد من يتقبلني، خاصة وأن موضوع الطلاق سيجعل الأمر أصعب من كافة النواحي.
أشعر بالتيه وبالوحدة الدائمة؛ ظننتُ أنني بزواجي سأجد أخيراً من يساندني لأن أهلي لم يروني يوماً، لكنه كان أول من قرر تركي والسخرية مني وزيادة كرهي لنفسي. لا أفهم ما الذي يتوجب عليّ فعله بعد؟ لماذا لا يقبل أحد التغيير أو إعطاء فرص ثانية؟ أنا لم أرسم حياتي بهذا الشكل، بل الظروف هي من وضعتني هنا!
27/08/2026
رد المستشار
الابنة المتصفحة الفاضلة "نهال" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
ما مررتِ به ليس هيناً يا "نهال"؛ أن تنشئي في بيئة تفتقد للتدريب والتوجيه، ثم تُلامين على أخطاء نتجت عن قلة الخبرة والاستغلال، ثم تصدمين بتخلي الأقربين.... كل هذه الأحداث أثقلت كاهلك، ولا ألومكِ أبداً على شعوركِ بالتيه والظلم.... لكن دعيني أقف معكِ وقفة صدق ومحبة، كأخت أو صديق يريد لكِ أن ترسي على بر الأمان، بعيداً عن تقييم الناس ورحمة البشر:
أولا بالنسبة لماضيك تأكدي أنك لستِ ماضيكِ، ولا ذنب لكِ في ظروف نشأتكِ، فالطفلة الهادئة والانطوائية التي لم تجد التوجيه، والتي ألقى بها الإهمال الأسري في طريق الاستغلال، كانت ضحية لغياب الرعاية. عندما استوعبتِ الأمر في الجامعة وصححتِ مساركِ بنفسكِ، أثبتِّ أن لديكِ معدناً أصيلاً ورغبة حقيقية في الخير والتغيير، والله عز وجل وهو الخالق الأعظم يفتح باب التوبة والتغيير ويغفر ويستر، فكيف للبشر أن يحاسبوكِ على ماضٍ استُغلتِ فيه وأنتِ قاصر أو غير واعية، ثم صلح حالكِ منه؟ عدم تقبلهم لتغيّركِ هو قصور فيهم هم، وليس عيباً فيكِ.
واقرئي أيضًا:
(باد جيرل)...لست سيئة ونحن معك
بداية طريق النور
ماضي الزوجة بين الستر والتستر!
ثم اكتشفت أن لها حبيب سابق... في الماضي!
وأما خيبة الأمل في الزوج.... ومسألة "الشفافية المطلقة": فكم هو مؤلم جداً أن يعدكِ شخص بالبقاء "مهما حدث"، ثم يتراجع عند أول اختبار ويتحول للتعيير والسخرية. موقف زوجكِ ينم عن ضعف في استيعابه وعدم نضج في التعامل مع الأمانة التي أُنيطت به، فلنأخذ من ذلك درسا للمستقبل: الماضي الذي بينكِ وبين الله ومضى وتُبتِ منه أو تجاوزتِه، لا ينبغي أن يُكشف لأحد من البشر مستقبلاً. الناس غالباً لا يملكون قدرة الاستيعاب أو التسامح، والستر من الله رحمة يجب أن نحافظ عليها.
إن كان الانفصال هو ما سيؤول إليه الأمر، فاعلمي أن زواجاً قائماً على التعيير والسخرية اليومية هو بيئة هادمة لنفسيتكِ وكرامتكِ، والبقاء فيه تحت ابتزاز المشاعر أشد إيلاماً من الطلاق نفسه.
وأما بخصوص التعامل مع الأهل والاستغلال المادي، فإن من المحزن أن يجمع الأهل بين التقصير العاطفي والتعيير، وبين الاستغلال المادي..... لكن حان الوقت لتضعي حدوداً واضحة وحازمة. مساعدتكِ لهم (إن كانت من باب البر) يجب ألا تكون على حساب صحتكِ النفسية أو كرامتكِ أو قدرتكِ على بناء مستقبلكِ. أنتِ لستِ ملزمة بتقديم المساعدة لمن يستغلونكِ ويقللون من شأنكِ.
وأما كيف تبدأين من جديد بعد الطلاق؟ فإن الطلاق في سن الـ 24 ليس بالتأكيد نهاية المطاف، بل قد يكون بداية الولادة الحقيقية لشخصيتكِ المستقلة والقوية، وبالتالي عليك أولاً استعادة قيمتكِ الذاتية من الداخل، فقيمتكِ لا تُستمد من قبول الزوج أو رضا الأهل. قيمتكِ تستمدينها من علاقتكِ بالله، ومن كونكِ إنسانة كافحتِ وصححتِ أخطاءها بنفسها. كفي عن انتظار "الفرصة الثانيّة" أو "القبول" من الناس؛ أعطي أنتِ الفرصة لنفسكِ أولاً للحيّاة والكرامة.
وثانياً عليك بالسعي إلى الاستقلال المادي والتمكين الشخصي، وبالتالي فإن تركيزكِ في المرحلة القادمة يجب أن ينصبّ بالكامل على:
عملكِ أو دراستكِ: تأمين مصدر دخل مستقل يجعلكِ غير محتاجة لأهلكِ أو لزوج يستغلكِ.
بناء شبكة علاقات صحية: أصدقاء وصديقات صالحة تشبهكِ وتدعمكِ بدون أحكام مسبقة.
واقرئي أيضًا:
بعد الطلاق خائفة من الوحدة!
المرأة بعد الطلاق.. انتظار أم انطلاق؟
ما تزال المطلقة خارج السياق
انبعاث الروح من رماد الخيبات
الطلاق.. والفجوة بين الشرع والواقع
كيف تحيا المطلقة؟
وثالثاً: قد يكون الدعم النفساني المتخصص مفيدا جدا فبما أنكِ نشأتِ في بيئة أثرت على مفهومكِ للذات، وحرمتكِ من التوجيه، أقترح عليكِ بشدة التواصل مع اختصاصية نفسية. المتابعة النفسية ستساعدكِ على تشفي جراح الماضي، وتعلم كيفية وضع الحدود مع الأهل، وبناء ثقتكِ بنفسكِ من جديد.
ورابعاً بالنسبة لنظرة المجتمع والزواج مستقبلاً فنعم، قد توجد نظرة مجتمعية مقيدة للطلاق، لكن الزواج الناجح والخير لا ينقطع بالطلاق. هناك من الرجال من هم على قدر عالٍ من النضج والوعي والدين، ممن يقيّمون الإنسان بأخلاقه وحاضره لا بماضيه أو ظروفه. لكن قبل التفكير في أي ارتباط قادم، يجب أن تتشافى "نهال" أولاً وتصبح قوية ومستقلة بذاتها.
وأخيرا يا "نهال" لا تجعلي قسوة الظروف وأخطاء الآخرين في حقكِ تشعركِ بأنكِ لا تستحقين السعادة. أنتِ صغيرة السن (24 سنة)، وأمامكِ العمر بأكمله لتعيدي كتابة قصتكِ بشروطكِ أنتِ، وبناء حياة كريمة ومستقلة. من استطاع أن يخرج من ظلمات الجهل والاستغلال بنفسه وهو صغير، قادرٌ بإذن الله على أن يصنع لنفسه مستقبلاً مشرقاً.
أتمنى لكِ القوة والسلام النفسي، وثقي أن بعد هذا العسر يسراً. ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعينا بالتطورات.