السلام عليكم
أبلغ من العمر 33 سنة، رغم ذلك أشعر بضياع شديد وأحتاج إلى بعض التوازن. انفصلت عن زوجي عام 2019، وهذا الأمر حطمني تمامًا. شعرت وكأنني فشلت في الشيء الوحيد الذي تربيت عليه... الزوجة. بعد ذلك، أمضيت سنوات في تطوير نفسي.
العلاج النفسي، والعمل، والسفر، وتحقيق أحلامي. ظاهريًا، بنيت حياة رائعة، عشت بمفردي، وتمتعت بحرية كاملة، ووظيفة أحلامي، وحتى سيارة أحلامي. لكن بصراحة، شعرت بفراغ كبير خلال معظم تلك الفترة لعدم وجود شريك أشارك معه كل شيء.
ومؤخرًا، انهار كل شيء مجددًا. فقدت وظيفتي، ومعها فقدت استقلالي المالي، والآن لا أستطيع تحمل تكاليف الإيجار، أو سيارتي، أو حتى المدينة التي أعيش فيها، لذا سأعود للعيش مع عائلتي في بلد آخر. أظل أسأل نفسي... ما الذي يحدث لحياتي؟ كلما ظننت أنني وصلت إلى مكان ما في الحياة، ينقلب كل شيء رأسًا على عقب. يبدو الأمر وكأنه مجرد مفترق طرق آخر، وعليّ أن أبدأ من جديد.
عمري 33 عامًا، بلا زوج ولا أطفال، ولا يسعني إلا التفكير في الوقت وما إذا كنت سأتمكن حقًا من تكوين أسرة. تقترح والدتي خيارات الزواج التقليدية (زواج الصالونات)، والتي لا أعارضها تمامًا، لكنني لم ألتقِ بعدُ بالشخص الذي أشعر معه بالراحة التامة.
إنهم رجال طيبون، لكن ينقصهم دائمًا شيء ما، سواء أكان ذلك في القيم، أو الجاذبية، أو الرؤية المشتركة. وأشعر بالذنب لرفضي... وكأنني يجب أن أستقر وأتوقف عن انتظار شيء قد لا يأتي. في الوقت نفسه، لا أعتقد أنني أطلب الكمال... أريد فقط شيئًا أشعر معه بالراحة ويستحق الانتظار والجهد الذي بذلته.
الآن، أجلس في شقتي محاطة بحقائبي المعبأة، على وشك مغادرة مكان اعتبرته بيتي لسنوات وحياة عملت بجد لبنائها، ولا أدري ما يخبئه لي المستقبل.
مع أنني أدرك أن هناك قدرًا من الحماس يصاحب ذلك بسبب عدم اليقين، لا يسعني إلا أن أشعر بالرعب والحزن...
17/05/2026
رد المستشار
ابنتي الغالية "ميرفت"، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أحييكِ أولاً على شجاعتكِ في البوح، وعلى ذلك الوعي العميق الذي يظهر خلف كلماتكِ رغم ركام الحزن الذي يحيط بكِ الآن. بصفتي أخصائياً نفسياً، أقول لكِ: إن ما تشعرين به من "رعب وحزن" وسط حقائبكِ المعبأة ليس دليلاً على الفشل، بل هو استجابة إنسانية طبيعية جداً لفقدان "منطقة الأمان" التي بذلتِ جهداً مضنياً لتشييدها.
لقد اختصرتِ هويتكِ لسنوات في دور "الزوجة"، وعندما تعثرت الخطوة الأولى، شعرتِ بانهيار الذات. لكنكِ أثبتِّ لنفسكِ لاحقاً أنكِ مهندسة بارعة، قادرة على بناء حياة مستقلة وناجحة. والآن، يبدو لكِ فقدان الوظيفة والعودة لبيت العائلة "ارتداداً" للخلف، لكنني أدعوكِ لرؤيته كفترة "إحماء" واستجماع للقوى، وليس نهاية للمطاف.
إن شعوركِ بالفراغ رغم النجاح المادي يؤكد أنكِ تمتلكين قلباً حياً ينشد السكينة والمشاركة، وهذا مطلب فطري مشروع. أما بخصوص قلقكِ من قطار العمر ورفضكِ لمن يتقدمون لكِ، فلا تجلدي ذاتكِ. الاستقرار لا يعني "التنازل" عن الحد الأدنى من التوافق الروحي والقيمي؛ فالزواج الذي يُبنى على سد الفراغ فقط قد يكون سجناً جديداً.
تأملي معي يا "ميرفت" هذا التوجيه الرباني الذي يلمس حيرتكِ الآن:
يقول الله تعالى في سورة البقرة: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
هذه الآية ليست مجرد كلمات للتعزية، بل هي قاعدة نفسية كبرى. فقد يكون خروجكِ من هذه المدينة، وفقدانكِ لهذه الوظيفة، هو "الخلخلة" الضرورية لتغيير مسار حياتكِ نحو شخص لم يكن ليلتقي بكِ هناك، أو فرصة لم تكن لتطرق بابكِ وأنتِ مستغرقة في عملكِ السابق.
نصيحتي لكِ في هذه المرحلة الانتقالية:
تقبلي الحزن: لا تقاومي مشاعركِ وأنتِ تودعين شقتكِ، ابكي إن شئتِ، فالبكاء غسيل للروح وتطهير للذاكرة لتبدئي صفحة جديدة بلا رواسب.
إعادة تعريف النجاح: نجاحكِ ليس في "الاستقلال المالي" وحده، بل في قدرتكِ على النهوض في كل مرة. أنتِ الآن أقوى وأكثر خبرة مما كنتِ عليه في 2019.
التوازن في الاختيار: لا ترفضي لمجرد الخوف، ولا تقبلي لمجرد الذنب. ابحثي عن "السكينة"؛ فإذا وجدتِ رجلاً تشعرين معه بالأمان النفسي، فامنحي الفرصة لنفسكِ وله، دون انتظار "صورة خيالية" للكمال.
الثقة في تدبير الله: تذكري قول النبي صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ"؛ فربما كان هذا الضيق هو بوابة لفرج لم تحسبي له حساباً.
أنتِ الآن في "مخاض" لولادة نسخة جديدة منكِ، أكثر نضجاً وإيماناً. عودي لبلدكِ برأس مرفوع، فأنتِ لم تخسري شيئاً من جوهركِ، وما سلبكِ القدر إياه اليوم، سيعوضكِ الله خيراً منه في الغد القريب بإذن الله.
دمتِ بخير وسكينة.