الساعة تقترب من الواحدة فجرًا، البيت غارق في صمت عميق، إلا من صوت أنفاس النائمين وهمس التكييف الخافت، إلا أن هنالك شخصاً يتجول بهدوء بين الغرف، يطمئن على الأبواب، يطفئ الأنوار المنسية، يغطي من انكشف غطاؤه، ثم يعود لفراشه محاولاً النوم، لكن النوم يتمنع، كأنه يعلم أن مهمته لم تنتهِ بعد!
في كل بيت هناك من يحمل لقبًا غير معلن: «آخر من يغلق عينيه»، حراس غير رسميين للعائلة النائمة، لا يستطيعون الاستسلام للنوم حتى يتأكدوا أن الجميع بخير، أن الأبواب مغلقة، والغاز مطفأ، والأطفال في أسرّتهم، وأن كل شيء في مكانه الصحيح.
هذا القلق ليس مرضيًا بقدر ما هو حب يتخذ شكل اليقظة، حب لا يعرف كيف يعبر عن نفسه إلا بالسهر الصامت، بالتأكد ألف مرة أن الباب مغلق، وأن صوت أنفاس الصغار منتظم، وأن لا أحد يحتاج شيئًا في ظلمة الليل، هو نوع من المسؤولية غير المرئية يحملها البعض، مسؤولية لا يكلفهم بها أحد، لكنهم يحملونها طواعية، كأنهم وقّعوا عقدًا مع أنفسهم أن يكونوا حماة الليل، وأن يظلوا متيقظين حتى ينام الجميع بأمان!
انظر حولك، ستجدهم في كل مكان، أمهات يصارعن الأرق ليس لأنهن لا يستطعن النوم، بل لأنهن يخفن أن يحدث شيء وهن نائمات، وآباء يقضون الليل يستمعون لأصوات البيت، كأنهم أجهزة إنذار بشرية، وأجداداً يستيقظون مرات عدة ليتفقدوا أحفادهم علهم يحتاجون شيئا، وزوجات ينتظرن صوت مفتاح الباب ليطمئن قلبهن على أزواجهن!
قد يقول البعض إنه قلق زائد وإرهاق لا داعي له، لكن من يلعب هذا الدور يعرف أنه ليس خيارًا، بل طبيعة مغروسة في الأعماق، لا يستطيع النوم قرير العين دون أن يتأكد أن الجميع بخير، كأن نومه مرتبط بنومهم، وراحته مرهونة براحتهم، قد يحاولون أحيانًا إقناع أنفسهم بالنوم مبكرًا، أن يتركوا القلق ويستسلموا للنعاس، لكن شيئًا ما يشدهم، صوت داخلي يقول: «تأكد مرة أخرى»، «ماذا لو...»، فينهضون مجددًا، يدورون دورة أخيرة، يطمئنون للمرة الألف، ثم يعودون لفراشهم منهكين... ولكن مطمئنين!
عند الصباح، حين يستيقظ الجميع بنشاط بعد نوم هادئ، لا يعرف أحد عن تلك الجولات الليلية، عن الساعات التي قضاها حراس الليل ساهرين، ولن يحاولوا إخبار الآخرين بذلك عادة، فالحب الحقيقي لا يحتاج لإعلان، والحماية الصادقة تحدث في الصمت والظلام!
ربما نحتاج أن نعانق هؤلاء الحراس الصامتين، أن نقول لهم: «نحن بخير، نم الآن»، لكننا نعلم أنهم لن يفعلوا، فقلوبهم مبرمجة على السهر، وأرواحهم موقوفة على حراسة من يحبون، وإن كنت أنت من حراس الليل هؤلاء، فاعلم أن ما تفعله ليس مجرد عادة، بل عبادة صامتة وحب يتجسد في أفعال بسيطة لكنها عظيمة، وأن كل ليلة تسهرها حارسًا لمن تحب، هي ليلة تكتب فيها أجمل قصص الحب في صمت الظلام، حيث يقف آخر من يغلق عينيه، ليضيء العالم بنور الطمأنينة!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
فوبيا الفرح المفاجئ! / حتى لا تنطفئ.... الدهشة!
