عندما ننظر للوراء بعد سنوات، نكتشف أن الحياة تشبه ذلك الكاتب الماكر الذي لا تفهم مغزى روايته حتى تصل للفصول الأخيرة، ذلك الذي يكتب النهايات السعيدة بحبر الدموع، ويفتح أبواباً جديدة بمفاتيح الخيبة، إذ عندما ننظر للوراء بتمعن سنكتشف أن أسوأ أيامنا هي تلك التي ظننا أنها ستكسرنا إلى الأبد، والتي كانت في الحقيقة تعيد تشكيلنا لنصبح من نحن عليه اليوم، تهدم فينا ما يجب أن يُهدم، لتبني ما يستحق البقاء، وكأن الألم كان مجرد مخاض لولادة جديدة لم نكن نتوقعها!
الرفض الذي حطم قلبك من جامعة أحلامك، قادك لجامعة أخرى التقيت فيها من غيّر حياتك، والوظيفة التي خسرتها ظلماً، دفعتك لتبدأ مشروعك الخاص الذي كنت تؤجله خوفاً، والعلاقة التي انتهت وظننت أن العالم انتهى معها، أفسحت المجال لحب حقيقي لم تكن تعرف أنك تستحقه، والمرض الذي جعلك طريح الفراش لفترة، علّمك أخيراً كيف تستمتع بالمشي والتأمل، والفشل الذي أحرجك أمام الجميع، حررك من سجن توقعاتهم وتوقعاتك!
نقضي سنوات طويلة نلعن تلك الأيام السوداء وآلامها، نحملها في قلوبنا كجروح لا تُشفى، ونعيد تذكرها بمرارة، ونراها عقوبات لا نستحقها، كظلم كوني وقع علينا دون سبب، حتى تمر السنوات ونرى الصورة الكاملة، فنكتشف أن كل خيط في نسيج حياتنا كان ضرورياً، حتى الخيوط السوداء، بل ربما خاصة تلك الخيوط السوداء، لأنها هي التي أبرزت جمال الألوان الأخرى.
الطلاق الذي ظننته نهاية العالم، كان بداية اكتشافك لذاتك الحقيقية المدفونة تحت أنقاض علاقة ميتة، الإفلاس الذي جردك من كل شيء علّمك أن السعادة لا تُشترى، وأن الأصدقاء الحقيقيين يظهرون في المحن لا في الأفراح، الخيانة التي كسرت ثقتك منحتك القدرة على التمييز بين الصادق والزائف، بين من يستحق قلبك ومن لا يستحق وقتك، كل ضربة ظننتها قاتلة، كانت في الحقيقة تنحت منك تحفة أجمل.
أصعب ما في الأمر أننا في خضم المعاناة لا نرى الحكمة فلا نفهم الدرس، ولا نلمح الباب المفتوح خلف الجدار المغلق فنكون مشغولين بالألم والغضب، مسكونين بالسؤال الأزلي: «لماذا؟»، ونريد إجابات فورية لأسئلة تحتاج سنوات لتتضح معالمها، ونطالب الحياة بتفسيرات وهي مشغولة بإعادة بنائنا، ونريد العدل الآن وفوراً، بينما تعد الحياة لنا عدلاً أكبر سيأتي في وقته.
ليس المطلوب أن نحب الألم أو نسعى إليه، ولا أن نتظاهر بأن الخذلان سهل أو أن الخيبة ممتعة، بل أن نتعلم النظر إليها بعين مختلفة بعد أن تمر العاصفة، وأن نفهم أنها جزء من المنهج الدراسي في مدرسة الحياة، تلك المدرسة التي تفرض عليك دروساً قاسية لكنها ضرورية، وتجبرنا على المرور بامتحانات صعبة لكنها تؤهلنا لمراحل أعلى، ولعل الرسوب أحياناً ليس فشلاً نهائياً بل وقفة لإعادة توجيهنا لمسار أفضل لم نكن نراه.
اليوم، عندما أتذكر أسوأ أيام حياتي، أشعر بامتنان غريب، ليس لأنها كانت سهلة، بل لأنها كانت ضرورية، لأنها قادتني إلى هنا، إلى هذه النسخة من نفسي التي ما كانت لتوجد لولا تلك التجارب المريرة، أفهم الآن أن الحياة لم تكن تعاقبني، بل كانت تُعدّني، لم تكن تكسرني، بل كانت تُعيد تشكيلي، ولم تكن تغلق الأبواب في وجهي، بل كانت توجهني نحو الباب الصحيح.
لعل أجمل ما نتعلمه مع الوقت هو أن نثق بحكمة الحياة حتى حين لا نفهمها، وأن نؤمن أن وراء كل خذلان خلاص، وخلف كل ليل فجر، وفي قلب كل محنة منحة، حتى لو لم نرها الآن، وحتى لو بدا الأمر مستحيلاً في خضم الألم، لأن الحياة، كما اكتشفت بعد كل هذه السنوات، أحكم منا، وأرحم مما نظن، حتى في أقسى لحظاتها.
في النهاية، لو أُتيحت لي الفرصة لأغيّر أسوأ أيامي، لترددت طويلاً، ليس لأنني أحب الألم، بل لأنني أحب من أصبحت بفضله، لأن تلك الأيام التي خذلتني هي ذاتها التي أنقذتني من حياة عادية كنت سأعيشها لو سارت الأمور كما خططت، وأنقذتني من نفسي القديمة التي كانت تخاف من كل شيء.... حتى من أن تعيش حقاً!
١٩ نوفمبر ٢٠٢٥
واقرأ أيضًا:
الذين يكرهون أنفسهم! / قلوب.... تهرب ببطء!
