كنت مشغولا في الشهور الأخيرة بقراءة آراء علماء الفيزياء والرياضيات والفلك (أينشتين ونيوتن وتيسلا وستيفن هوكنج) وفلاسفة كبار (برتراند راسل وإيمانويل كانت وغيرهم)، وكنت أبحث عن تصورهم للإله والحياة والموت والبرزخ والبعث ولم أجد لديهم (رغم عبقريتهم وعطائهم العلمي المتميز) تصورا واضحا لهذه الأمور باستثناء انبهارهم بهندسة الكون وضخامته وانضباطه بقوانين محكمة واعترافهم بأن وراء هذا كله قوة هائلة لا يعرف أحد كنهها حتى الآن، وليلة أمس انتهيت من القراءة في وقت متأخر فقلت أختم ليلتي بقراءة سورة من القرآن فوقعت عيني على سورة ق، وتعجبت أن يكون عنوان سورة كاملة حرف واحد، وهذا أحد أوجه الإعجاز في القرآن الكريم. وتنقلت بين آيات السورة الكريمة حتى وصلت إلى تلك الآيات: "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد * ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد". آيات قصيرة جدا تصف لحظة ميلاد الوعي الكوني حين تغمض العين لحظة الموت، وهي رحلة وعي يمر بها الفيلسوف والعالم ويمر بها أبسط الناس، وتمنيت أن أوقظ العلماء والفلاسفة الذين قرأت لهم، لأخبرهم بما وصلني (حيا) ووصلهم (أمواتا).
هذه الآيات لا تصف الموت كحدث بيولوجي بل كرحلة وعي متدرجة تبدأ بالاضطراب ثم المواجهة ثم الانكشاف ثم الحسم النهائي للإدراك. إنها ليست لحظة واحدة بل سلسلة من الانفجارات الإدراكية التي تنقل الإنسان من عالم الظنون إلى عالم اليقين، ولنتابع الرحلة من البداية للنهاية:
أولا: سكرة الموت... انهيار البنية النفسية (وجاءت سكرة الموت بالحق)
السكرة هي اضطراب شامل في الإدراك، وتفكك في الإحساس بالزمن، وتلاشي للتماسك النفسي. إنها لحظة تفكك الوعي المعتاد، ثم تأتي الجملة القاصمة: "ذلك ماكنت منه تحيد". هنا يحدث أول صدام: كل الدفاعات النفسية تنهار... كل الأقنعة تتساقط... كل محاولات الهروب تفشل... كل الإنكار والتعامي يسقط... الحقيقة لم تعد فكرة... بل واقع يُعاش.
ثانيا: النفخ في الصور.... الانفجار الكوني للإدراك (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد)
بعد السكرة الفردية، ينتقل النص إلى حدث كوني شامل.... انهيار النظام الذي كان مألوفا (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار). "ونفخ في الصور" هنا ليس مجرد حدث خارجي، بل إعادة تعريف للوجود كله... انتقال من عالم إلى عالم. إنه إعلان أن: ما كنت تراه هو الواقع... لم يكن إلا مرحلة... جملة قصيرة في كتاب كوني هائل تتغير معالمه في هذه اللحظة.
ثالثا: السائق والشهيد... تغير القيادة وانكشاف المسئولية (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)
هنا يتحول الإنسان من كائن حر ومستور في الظاهر إلى كائن مُقاد ومكشوف بالكامل. السائق يدفعه إلى المصير، والشهيد يكشف حقيقته بلا تحريف. لم يعد هناك تحكم في السرد.... انتهت قدرة الإنسان على تزييف ذاته أو تبرير أعماله.
رابعا: لحظة الانفجار الإدراكي (لقد كنت في غفلة من هذا)
هذه الجملة ليست إخبارا... بل صحوة وعي... كل الحياة الماضية تعاد قراءتها فجأة.... ما ظننته مهما يتلاشى.... ما تجاهلته أو تناسيته أو أنكرته يصبح هو الحقيقة. ثم تأتي الذروة: "فكشفنا عنك غطاءك". ليس إضافة معرفة... بل إزالة الحجاب.... إلغاء الوهم.... إسقاط المرشحات (الفلاتر) النفسية.
خامسا: الوعي في أقصى حالاته (فبصرك اليوم حديد)
هذه ليست رؤية عادية... بل إدراك بلا وسيط.... وعي بلا تشويش.... حقيقة بلا إمكانية للإنكار. "حديد" هنا تعني حاد... نافذ... قاطع... شديد الوضوح... لا لبس فيه. وكأن الوعي تحول من شاشة ضبابية كنا نعيش بها في الدنيا إلى شعاع يخترق كل الحجب.
سادسا: التسلسل النفسي الكامل للمشهد.... إذا جمعنا الآيات نجد مسارا مذهلا:
1 – سكرة .... انهيار الإدراك
2 - مواجهة.... سقوط الإنكار
3 – حدث كوني.... زوال الإطار القديم للنفس والكون
4 – فقد السيطرة الشخصية.... الانقياد
5 – انكشاف الذات.... التعري المطلق بلا ساتر
6 – كشف الحجاب.... ظهور الحقيقة
7 – حدة الإدراك.... يقين مطلق
إذن فلحظة الموت ليست انطفاءا للأضواء وفقدانا للوعي.... بل إعادة تشكيل كاملة لوعي جديد مختلف.
في تلك اللحظة... حين يضطرب كل شيء... ويفقد الجسد لغته... ويذوب الإحساس بالزمن... تظن أنك تنتهي... لكن الحقيقة أنك تبدا.... تبدأ في رؤية مالم تره، وفي فهم ما كنت تمر به دون أن تدركه.... ثم فجأة: تسقط كل الحجب.... لا تدري كيف.... لكن كل شيء يصبح واضحا.... ترى حياتك.... لا كما عشتها.... بل كما كانت.... وترى نفسك.... بلا تبرير.... بلا خداع.... بلا إنكار.... بلا أقنعة. ثم تدرك – متأخرا – أنك لم تكن أعمى.... بل كنت مُغطى.... والآن: بصرك حديد.... وهذا مالم يدركه العلماء والفلاسفة.
واقرأ أيضًا:
شهرزاد… حين عالجت الحكاية جرح الرجولة / 13 طابقا من الصمت: كيف سقطت بسنت ولم يلتقطها أحد؟
