هم الذين يعرفون كل شيء، ويصدّحون في وسائل الإعلام والمنصات اليوتيوبية، ولسان حالهم يقول: "عندي الخبر اليقين"، وهُم يهذربون ومن عنديات تصوراتهم يسكبون، ويحسبون الناس مغفلين، ويتناسون بأن الجميع حنفشاريون.
الكل تعرف، علماء وخبراء ومفكرون وساسة وسادة وأشراف وقادة وأحفاد أنوار الدنيا والدين، فعن أي تحاورات وتفاعلات تتحدثون؟!!
ما يدور في قاعات وجودنا حوار طرشان، فالكل لا يسمع والكل يتمنطق بما لا يدري ويحسب أنه الأدرى والأصوب.
مجتمعات مبنية على أسس وهمية لا تصمد أمام أعاصير المبتكرات وصولات المخترعات الفتاكة، التي تدري بما لا تدري تلك المجتمعات الدافنة لرؤوسها في رمال الغابرات.
في هذا الواقع الضبابي المعفر بالدخان، والمدثر بالغيوم الخلبية، تفقد الكلمة تأثيرها ودورها وتتحول الحياة إلى ثقب أسود يشفط أي قدرة على التحدي والبقاء. فالكل كتّاب وشعراء وفلاسفة ومفكرون وخبراء ومحللون وعندهم كل شيء مبين.
فما عادت الكلمة الطيبة صدقة، ولا يسحرنا البيان، فالكلام الذي لا يقترن بفعل يكون بضاعة الثرثار كما قالت العرب، وأصبحت ثرثرة نجيب محفوظ فوق النيل، ثرثراتنا في كل مكان، وما حصدنا منها غير الزقوم والعلقم المشؤوم، وصار الحسام أنفع من أي كلام، والجميع يتكلم فيما لا يعنيه، وينضح بما فيه، وفقدنا خير الكلام، وصار الإسهاب مذهبنا وتدويخ الرؤوس هدفنا، وتحويل الناس إلى فرائس منوّمة على موائد الطامعين بنا.
ولهذا ما صدّقت أفعالنا أقوالنا، ومضى الكلام يتخيلنا، وعلى السطور نكتب آلاف الكلمات التي لا تفيد، وما صار القول يعنينا بل قائله الذي يهمنا، وعندنا كثير الكلام كثير المعرفة، وتلك تدحرجات سلبية على سفوح انقراضية.
الجبال لا تتحاور بل تتكاتف، فهل جبالنا ذات أمل؟!!
أنا أعْرفْ فلا تطلقْ كلاما
فهذربةٌ بها أضْحَتْ حساما
هيَ الأفعالُ نُنجزها بنُطقٍ
إذا قُلنا أتيْناها اخْتِصاما
تعاوَنتِ الغَوافلُ في بلادٍ
لمَفسَدةٍ تَعاطتها اغْتِناما
د-صادق السامرائي
7\12\2020
واقرأ أيضا:
أكاذيب مسطحة!! / وحوش الكراسي!!
