عندما تتحول الشائعة إلى علاج… ويتحول المريض إلى ضحية
لوحظ في الأيام الأخيرة أكثر من شخص مجهولي الهوية يكتبون أسماءهم مسبوقة بلقب دكتور يقدمون فيديوهات تهاجم الطب النفسي والأدوية النفسية لحساب علاجات الطب البديل والطب التكميلي والعلاج بالطاقة.
ولم تعد المعركة التي يخوضها الطبيب النفسي تقتصر على تشخيص المرض ووصف العلاج ومتابعة المريض، بل أصبح يخوض معركة أخرى لا تقل خطورة، هي معركة الدفاع عن العلم في مواجهة سيل جارف من المعلومات المضللة التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتروج لها حسابات غير متخصصة، وأصحاب مصالح تجارية، وبعض أدعياء الطب البديل والطب التكميلي، بل وجماعات منظمة تناهض الطب النفسي من الأساس.
لقد أصبحنا نشاهد يوميًا مقاطع فيديو تعد المرضى بالشفاء الكامل من الاكتئاب أو الفصام أو الوسواس القهري أو القلق دون دواء، وإنما بمجموعة من الأعشاب، أو الفيتامينات، أو جلسات العلاج بالطاقة، أو التأمل، أو اليوجا، أو وصفات شعبية يفتقر معظمها إلى الدليل العلمي الكافي. ولا تكمن الخطورة في الدعوة إلى نمط حياة صحي، أو ممارسة الرياضة، أو تعلم الاسترخاء، فكلها وسائل نافعة عندما تستخدم في موضعها الصحيح، وإنما تكمن في تقديمها على أنها بديل للعلاج الطبي، والدعوة إلى إيقاف الأدوية النفسية دون إشراف متخصص.
وقد عايشت بنفسي خلال مشاركتي في مؤتمرات الجمعية الأمريكية للطب النفسي وجود جماعات منظمة تستأجر مقار قريبة من مكان انعقاد المؤتمر، وتوزع المنشورات والكتيبات والأقراص المدمجة التي تهاجم الطب النفسي، وتحذر الناس من الأدوية النفسية، وتصورها وكأنها مؤامرة عالمية. وكان اللافت أنهم يعتمدون على الخطاب العاطفي أكثر من اعتمادهم على الأدلة العلمية، ويستعينون أحيانًا بشخصيات عامة أو فنانين للتأثير في الرأي العام.
هذه الحملات ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل قد تتحول إلى خطر على حياة المرضى. فالإرشادات العلمية الصادرة عن الجمعيات الطبية العالمية تؤكد أن الفصام، والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، والاكتئاب الشديد، واضطرابات نفسية أخرى، تحتاج في كثير من الحالات إلى علاج دوائي يمثل حجر الأساس في الخطة العلاجية، إلى جانب العلاج النفسي والتأهيل والدعم الأسري والاجتماعي.
وقد أثبتت الدراسات طويلة المدى أن مرضى الفصام الذين يتوقفون عن تناول مضادات الذهان دون إشراف طبي ترتفع لديهم معدلات الانتكاسة بصورة كبيرة خلال الشهور التالية، كما تزداد احتمالات دخول المستشفى، وتدهور الأداء الاجتماعي والمهني، وقد يصل الأمر إلى فقدان الاتصال بالواقع. كذلك فإن التوقف المفاجئ عن مضادات الاكتئاب أو مثبتات المزاج قد يؤدي إلى عودة الأعراض بصورة أشد، أو إلى أعراض انسحابية، وقد يزيد خطر الانتحار لدى بعض المرضى.
والأمر المؤلم أن الواقع يسجل بالفعل مآسي كان يمكن تجنبها. فكثير من الأسر تقتنع بما تشاهده على الإنترنت، فتوقف علاج أحد أفرادها، اعتقادًا بأن الأعشاب أو الفيتامينات أو العلاج بالطاقة كافية، ثم لا تلبث أن تواجه انتكاسة حادة قد تنتهي بمحاولة انتحار، أو انهيار نفسي شديد، أو تصرفات عدوانية نتيجة فقدان المريض القدرة على إدراك الواقع. ليست هذه النتائج هي القاعدة، لكنها مخاطر معروفة تجعل التوقف عن العلاج دون إشراف طبي قرارًا بالغ الخطورة.
وفي المقابل، فإن الطب النفسي الحديث لا يدعو إلى الاعتماد على الدواء وحده. فالعلاج النفسي السلوكي، والتثقيف الصحي، والرياضة المنتظمة، وتحسين النوم، واليقظة الذهنية، وتقنيات الاسترخاء، والدعم الأسري، كلها عناصر أساسية أو مساعدة بحسب حالة كل مريض. لكن الفرق كبير بين العلاج التكميلي الذي تدعمه الأدلة، وبين الادعاء بأنه يغني عن العلاج الدوائي في الحالات التي تستدعيه.
ومن الحقائق التي يغفلها مروجو الخوف من الأدوية النفسية أن جميع فروع الطب تستخدم أدوية قد تكون لها آثار جانبية، من أدوية القلب والضغط والسكري إلى أدوية السرطان والمضادات الحيوية. لذلك فإن السؤال العلمي ليس: “هل للدواء آثار جانبية؟”، وإنما: “هل تفوق فوائده مخاطره؟”. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه الممارسة الطبية الحديثة، مع المتابعة الدقيقة وتعديل الخطة العلاجية عند الحاجة.
كما ينبغي أن نتساءل: من المستفيد من نشر الخوف من الأدوية النفسية؟ ففي بعض الحالات توجد مصالح تجارية مرتبطة ببيع مكملات غذائية، أو أعشاب، أو دورات علاجية، أو برامج باهظة الثمن، تُسوق على أنها بدائل للعلاج العلمي دون أن تخضع لمستوى الأدلة المطلوبة للأدوية المعتمدة. ومن المهم التفريق بين النقد العلمي المشروع لأي علاج، وبين الترويج لبدائل غير مثبتة مع وعود مبالغ فيها.
إن الطب النفسي ليس معصومًا من النقد، بل يتطور باستمرار بفضل البحث العلمي، ويعيد مراجعة ممارساته كلما ظهرت أدلة جديدة. وهذه إحدى نقاط قوته، لا نقطة ضعفه. أما رفض الطب النفسي جملةً، أو تصوير جميع الأدوية النفسية على أنها سموم أو مؤامرة، فهو خطاب لا يستند إلى المعرفة العلمية، وقد يدفع بعض المرضى إلى قرارات يدفعون ثمنها من صحتهم وحياتهم.
إن مسؤولية الإعلام، والأطباء، والمؤسسات العلمية، وصناع المحتوى، أن يقدموا للناس المعرفة الصحيحة بلغة بسيطة، وأن يواجهوا المعلومات المضللة بالحجة والدليل، لا بالصراخ أو التخويف. فالمريض النفسي يستحق أن يحصل على معلومات دقيقة، وأن يتخذ قراره العلاجي بالتشاور مع طبيبه، لا تحت تأثير مقطع قصير على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأخيرًا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل مريض وكل أسرة واضحة: لا توقف دواءً نفسيًا لأن مؤثرًا على الإنترنت قال إنه “سم”، ولا تبدأ علاجًا لأن شخصًا وعدك بالشفاء السريع. اسأل أهل الاختصاص، واطلب الدليل، ووازن بين الفوائد والمخاطر. فالعلم ليس معصومًا، لكنه يبقى الطريق الأكثر أمانًا عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وصحته.
واقرأ أيضًا:
لماذا يعشق الناس الكرة؟ / العنف المتراكم... كيف يصنع المجتمع قنابله النفسية؟
