لا أحد يقول لنا «هذه هي المرة الأخيرة»، لا أحد يربت على أكتافنا ويهمس في آذاننا بأن ننتبه، لأن هذا اللقاء لن يتكرر، ولا أحد يُعلّق لافتة على اللحظة تقول «ودّعها جيداً فهي لن تعود»، فنحن نكتشف ذلك لاحقاً فقط، حين نلتفت ذات يوم ونتساءل: متى كانت آخر مرة جلسنا مع من نحب وتحدثنا وضحكنا معهم قبل أن يغيبوا فجأة، قد نعرف الإجابة وقد لا نعرف، لأن اللحظة مرّت وهي تتنكر في زي العادي والمألوف، فلم نظن أنها تستحق الانتباه!
نحن نتعامل مع لحظاتنا اليومية وكأنها ستتكرر للأبد، فنفترض أن الغد سيحمل نسخة أخرى من اليوم، وأن الأشخاص الذين نراهم دائماً سنراهم أبداً، وأن الأماكن التي نزورها ستبقى مفتوحة أمامنا كلما رغبنا في العودة إليها، فنعيش في وهم الاستمرارية، ذلك الوهم اللطيف الذي يحمينا من ثقل الوعي بأن كل شيء سينتهي، وأن بعض من نحبهم سيغيبون دون أن يُمهلونا وقتاً لنقول ما كان يجب أن يُقال، ودون أن نملك فرصة لاحتضان لم نكن ندرك أنه الأخير، ودون أن نسمع منهم تلك الكلمة التي كنا نؤجل سماعها لأننا ظننا أنها ستكون متاحة دائماً!
كثيراً ما يكون آخر لقاء مع من فقدناهم لقاءً عادياً جداً، لا يحمل أي علامة تدل على أنه الوداع، ربما كان مكالمة هاتفية قصيرة أنهيناها على عجل، لأننا كنا مشغولين بشيء بدا وقتها مهماً ونسيناه تماماً اليوم، أو زيارة خاطفة وعدنا في نهايتها بزيارة أخرى لم تأتِ أبداً، أو رسالة «واتس أب» قرأناها ولم نرد عليها، لأننا قلنا لأنفسنا «سنرد عليهم لاحقاً»، ذلك «اللاحق» الذي نتعامل معه كأنه مضمون ومتاح دائماً، بينما هو في الحقيقة أكثر وعودنا هشاشة وأقلها يقيناً، ولو كنا نعرف أنها المرة الأخيرة للتواصل مع من نحب لما أغلقنا الهاتف بتلك السرعة، ولما اكتفينا بإيماءة عابرة عند الوداع!
الأثقل على القلب ليس غياب من فقدناهم وحده، بل تلك الأشياء الصغيرة التي لم نفعلها معهم وكان يمكن أن نفعلها بسهولة لا تحتاج جهداً ولا تكلّف شيئاً، ككلمة حب كانت على طرف اللسان فابتلعناها حياءً أو كسلاً أو خجلاً، واعتذار تأخرنا في تقديمه لأننا ظننا أن الوقت يتسع لكل شيء، وسؤال صادق عن أحوالهم أجّلناه لأسبوع تحوّل إلى شهر ثم شهور حتى فات الأوان، لنكتشف بعد رحيلهم أن ما كان ينقصنا لم يكن الوقت بل الانتباه، ولم يكن مسافة بل أولوية، وأن كل تلك الأشياء التي ظننا أننا سنفعلها «غداً» كانت ممكنة «اليوم» لو أننا أدركنا أن الغد لم يكن مضموناً... أبداً!
ليس المطلوب أن نعيش في حالة قلق دائم من الفقد، ولا أن نودّع من نحبهم كل يوم وكأنه اليوم الأخير، فهذا سيحوّل الحياة دائما إلى عزاء محتمل لا يطيقه أحد، لكن ما أتمناه هو شيء أبسط من ذلك بكثير، ألا نُرجئ ما يمكن أن نقوله اليوم لمن نحب، وأن نتوقف عن افتراض أن الفرصة ستتكرر دائماً، وأن نعامل بعض اللقاءات العابرة بشيء من الحضور الحقيقي لا بأجسادنا فقط، بل بقلوبنا وانتباهنا، لأن آخر مرة نرى فيها أحدهم قد تكون هي تلك المرة العادية، التي لا نُعيرها أي اهتمام! كل يوم يحمل في طياته «مرة أخيرة» مع شخص ما، وكل لقاء عابر قد يكون هو الوداع الذي لا نعرف أنه وداع، والحسرة الأكبر يا أصدقائي ليست على من فقدناهم، بل على تلك الدقائق القليلة التي كانت بين أيدينا معهم... ولم نكن منتبهين!
18/2/2026
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الأشياء التي نتظاهر بأننا... لا نريدها! / الذين لا يشتكون... أبداً!
